الذاكرة الخدَّاعة

الذاكرة الخدَّاعة

هل رأيت صورة وحدَّقت بها، وسمعت صوتًا في أذنك يُحدثك أنك قد عرفت ملامحها جيدًا فلا داعي للإحتفاظ بنسخة منها؟

هل قرأت معلومة، وصَوَّر لك عقلك في لحظتها أنك قد حفظتها جيدًا، ولن تنسها أبدًا؟

إذا كانت إجابتك بنعم فأبشر يا صديقي بإمتلاكك الذاكرة الخدَّاعة.

فالذاكرة الخداعة هى التي تصور لك أنك قد حفظت ما قد رأيت أو ما سمعت بمجرد مرورك عليها دون الحاجة للاحتفاظ بنسخة منها أو تدوينها أو تكرارها كثيرًا لثبات حفظها.

وهذا الفخ ما يقع به الكثير مننا دون الشعور بذلك حينها لكن ندرك بعدها، ونكتشف أننا قد نسينا فعليًا ما قد رأيناه أو سمعناه إلخ وقت حاجتنا إليه.

الخدعة…؟ 

“التجربة وليدة الكلمة” أنا مؤمنة بصدق تلك الجملة.

ويزداد إيماني بها كلما أرى صدق تطبيقها فى كل تجربة أمر به في حياتي، ومن ضمن تلك التجارب التي مررت وأمر بها خواطر الذهن الكثيرة، والمتزاحمة فى رأسي. والتي يشوش بعضها البعض الآخر، وتختلط سويًا، وتحتاج إلى إدارك كامل مني لإستخدام أى وسيلة للاحتفاظ بها؛ كي لا يسبب فقدانها مشاكل أكبر في المستقبل، وأبرز تلك الخواطر الانخداع والانجذاب لفكرة امتلاك الذاكرة القوية العبقرية القادرة على الاحتفاظ بكل ما تراه العين أو تسمعه الأذن، وما تلمسه الأيدى، وبالطبيعة البشرية أن المخ يميل للراحة. كذلك عقلنا الباطن لا يريد خذلان صورتنا الخيالية المثالية لأنفسنا في أذهاننا ويصور لنا كل ما هو رائع ومُرضٍ لنا وأننا لا ننسى شيئًا أبدًا.

حقيقة هذا ليس بمنطقي ومنافي للخلقة الربانية الإلهية لنا، وأنا كأى بشر أحيانًا أميل لتلك العواطف المزيفة مطبقة أوامر كسل العقل واهمةً نفسي بتذكر كل ما أريد حينما أريد استرجاعه مرة أخرى وكأنني أتصور إمتلاكي الذاكرة الخارقة غير منتبهة للفرق بين الذاكرة قصيرة المدى، وطويلة المدى، وأن المخ لا يحتفظ لمدة طويلة بكل المعلومات التي يلتقطها.

لهذا دونت تجربتي في كلمات وأردت مشاركتك إياها عزيزى القارئ ومعرفة ملاحظاتى لها؛ لعلك أيها القارئ مررت بنفس التجربة فتستفيد من رؤيتي وتُحدثي معك تقدمًا بأمر الله. وإن لم تمر بها فستكون على دراية بوصف ذلك الشعور. وتكون قادرًا على سرعة التصرف لعدم الوقوع به. كذلك يمكنك افادة من حولك بخطورة تلك المشكلة وزيادة وعيهم بها.

وفيما يلي أسرد وجهة نظرى الشخصية في تلك التجربة من مواقف مررت بها (وأرى كثيرًا من دائرتي يمرون بها أيضًا).

أوصلتني لأطلاق مسمى الذاكرة الخدَّاعة (هذا أكثر مسمى وجدته مناسبًا لوصف ذاك الشعور)، ووضع تعريف لها، وذكر أضرارها، وطرق التفادى من الوقوع فيها..لعله يكن يومًا اكتشافًا يثبت العلم صحته.

مواقف يمر بها الكثير منا ..

  •  كثيرا ما نرى معلومات تهمنا حين تصفح الإنترنت، أو مواقع التواصل الاجتماعى كقول مأثور، أو حكمة، أو معلومة هامة، ونتجاهلها، ولا نعبأ بالتفكير في الاحتفاظ بها.
  • عند مشاهدة مقطع فيديو هادف، وأثناء مشاهدته يذكر المقدم خطوات تعلم شئ ما فتعتمد أنت على ذكائك، وتتوهم بتذكرك كل ما قال دون الحاجة لتدوينه.
    (أقصد هنا الشخص العادي الذي لا يتذكر كل ما قد رأى أو قد سمع، وليس من لديهم القدرة على حفظ، أو تذكر أى شئ يمر على أعينهم، أو آذانهم).
  • عندما تكون في مؤتمر، أو اجتماع، أو محاضرة، أو ندوة ما، وخطر ببالك سؤال تريد أن تستفسر عن اجابته من المُحاضر فى وقت الاستراحة، ولم تسجله فى ورقة ملاحظاتك لتذكره فيما بعد، والاستفسار عنه.
  • إذا كنت فى فصل دراسي، أو وقت مذاكرة، أو تقضي مهمة معينة، وتذكرت مهمة أخرى عليك القيام بها، أو خطر ببالك فكرة متعلقة بأمر ما آخر خارج نطاق عملك الحالي، وكسلت أن تسجل تلك الفكرة التي خطرت ببالك في ورقة.
  • الكثير والكثير أمثال تلك المواقف نمر بها يوميًا دون الانتباه لخطورة ما يترتب عليها من تأخر عمل مهام كان علينا ضرورة القيام بها، أو نسيان معلومة، أو أمر ما كان مهمًا أن نتذكره، أو نحتفظ به. ولكن بسبب الإنحياز، والميل للصوت الداخلي الذى يدفعنا للكسل عن تدوين تلك الخواطر. وتوهمنا بتذكرها وقت ما نشاء دون تسجيلها أو الاحتفاظ بها بأي طريقة كانت.

ما هى الذاكرة الخدَّاعة؟

حينما تشعر أنك قادر على تذكر كل ما رأيت أو سمعت أو ما خطر ببالك دون بذل مجهود فى الاحتفاظ به، وتدوينه ليتم تخزينه فى خلايا مخك.

_وأنت تعلم أنك لست بهذا الشخص (ليس تقليلًا من شأنك بل اعتراف بطبيعة دماغك).

فأنا اسميه الوقوع فى فخ الذاكرة الخدَّاعة.

أضرار الذاكرة الخدَّاعة:

الذاكرة الخدَّاعة من إسمها فهي تخدعك وتصورلك أنك قد حفظت ما قد رأيت دون بذل أدنى مجهود فيه، وتوهمك بعدم نسيانه أبدًا، وقدرتك على تذكره وقت ما أردت استعادته من ذاكرتك.

والحقيقة أن أغلب ما نرى، ونسمع يتم حفظه في الذاكرة قصيرة المدى التي تحتفظ بالمعلومات بصورة مؤقتة،وخلال تلك الفترة تتوهم أنت أنك ستزال محتفظًا بها وقادرًا على استعادتها حينما تريد.

طرق الاتقاء من الوقوع في الذاكرة الخدَّاعة:

وعليك تطبيق ما يلي لتجنب الوقوع في ذلك الفخ (الذاكرة الخدَّاعة):

  1.  الاحتفاظ بكل ما تراه مهمًا لك سواء صورة أو معلومة إلخ بأى وسيلة كتدوينها في دفترك، أو ملاحظاتك، أو هاتفك المحمول، أو جهاز حاسوبك، أو استخدام الورقة والقلم. وأراهما من أفضل الوسائل حيث إن استخدام الورقة والقلم يُمكِّنك من تشغيل أكثر من حاسة معًا (كاللمس والبصر)، ويُشَغِّل خلايا المخ للاحتفاظ بالمعلومات التي تدونها مما يساعدك على تخزينها لفترة أطول، ويجنبك نسيانها فيما بعد.
  2. تكرار ما قد دونته لضمان تذكره دائمًا واستعادته وقت حاجتك له دون فقدان أى تفاصيل، أو الشعور بعدم التأكد من صحة تلك المعلومات كما رأيتها أم لا.
  3. فهم طبيعة عمل المخ والقراءة عن أنواع الذاكرة حتى لا نقع في تلك المشكلة مرة أخرى. أو على الأقل نقلل الوقوع فيها، ولكى نكون على وعي بطرق تخزين المعلومات، وحفظها في خلايا المخ، وطرق استرجاع المعلومات لتذكرها فيما بعد.

 

وأخيرًا أُذكركم بعدم الاستغناء أبدًا عن الورقة والقلم في كل شئ في حياتكم.

فهم خير صديق ورفيق في أى زمان ومكان ليس فقط لتذكر المعلومات بل لتدوين الخواطر، وتسجيل الملاحظات، وتجنب تشتيت الأفكار المزدحمة فى أدمغتنا إلخ.

كما أن خلايا المخ تشبه المكتبة، والذكريات والمعلومات وكل شئ نحتفظ به بداخله يشبه الكتب. فحين نتذكر أو نسترجع معلومة قد خزناها فيه كأننا نمسك بكتابًا من المكتبة الكبرى وهي المخ.

وحين نترك المعلومات، والذكريات كما هي دون تذكرها أو التفكير فيها مرة أخرى كأننا نترك الكتب لتغطيها حبات التراب كاسيةً إياها مما يُحدث نسيان لتفاصيل تلك الذكريات، وتشوش المعلومات.

فيمكن استخدام تلك الميزة (تشبيه المكتبة، والكتب) فتتذكر الذكريات المفرحة، والمعلومات الهامة، وتناسي الذكريات التعيسة، والمحزنة، وعليك الحذر من فعل العكس فأنه سلاح ذو حدين.

وإن طبقت ما سبق بهذا تكون قد تفاديت الوقوع في مصيدة الذاكرة الخدَّاعة بنسبة كبيرة.

انتظر هنا وأجبني هل وقعت في فخ الذاكرة الخدَّاعة من قبل أم لا؟ وماذا كان تصرفك حينها؟

المخ البشرى

اترك تعليقاً