20 أنا 30

20 أنا 30

أنت في العشرين من عمرك، استيقظت من النوم وأخذت حمامك وهندمت ملابسك وشعرك وذهبت إلى مقابلة العمل الذي من الممكن وبشدة أن يغير حياتك كلها إذا حصلت عليه.. ذاكرت جيدًا، وتعرف كل ما سيسأل عنه محاورك، وهذا ما حدث بالفعل بعد مقابلة دامت لأكثر من نصف ساعة.. أنت ترى في عينه أنك تعجبه ولكنه ليس متأكداً، السؤال الأخير هو ما سيحدد إذا ما كنت ستحصل على تلك الوظيفة.. إذا ما كانت حياتك ستتغير كليًا.. “أين ترى نفسك بعد عشرة أعوام؟”.. السؤال يصعقك.. هل يهم هذا حقًا؟ هل ما ستقوله سيحدث ولو قليلٌ منه؟ دعنا نتوقف هنا ولنذهب إلى العام 2020..

كنت حينها مثلك في العشرين من عمري.. كان قد مر علي ثلاثة سنوات من خمسة قد أعطيتها لنفسي حتى أحقق حلمي وأصبح كاتبًا مشهورًا لديه منزل وسيارة رياضية فاخرة.. حسنًا كنت حينها مغمورًا على رأي أحد أصدقائي.. الشهرة أمر نسبي أليس كذلك؟ لم أحصل على منزل ولا ثُمن ثَمن السيارة ولكن كان لدي خمسون متابع جيد لي.. جميعهم يقرؤون ما أكتبه ولقد كنت حقًا سعيد بذلك..

كنت أرى أن الحياة تسير كما نريدها أن تسير، وأن كل من يرغب في فعل أي شيء ويحاول من أجله حتمًا سيصل إلى ما يريد.. ولكنني كنت أغسل الصحون حين جاء إلي بريد الكتروني برفض روايتي الأولى، لقد كان الأمر سيء.. في تلك اللحظة عرفت أن هناك الخطة التي نضعها.. وهناك ألف خطة أخرى تضعها لنا الحياة.. كان الأمر بسوء نتيجتي في الثانوية العامة.. لقد كنت على مشارف الكلية التي أريدها بكسور الدرجات ولكنني وجدتني في كلية أخرى في مدينة أخرى وسط أناس لا أعرفهم جيداً وكثيراً ما كنت أشعر أنهم كانوا يحاولون تجنبي..

حتى العشرين من عمري لم يكن كل شيء يسير حسب الخطة.. وكلما ظهرت بتلك الخطة المعدلة.. كان كل شيء يسير في إتجاه خاطيء مجددًا.. حتى أيقنت أن هذا ما سيحدث دائمًا..

كتبت رواية وأرسلتها لدار نشر، أعجبتهم فتعاقدوا معي وتم نشر الرواية وباعت أكثر من عشر طبعات في أول ظهور لها.. قرأها منتج وقرر تحويلها لفيلم شاهده عدة ملايين فقرر التعاقد معي على عدة أفلام ومسلسلات تعرض في شهر رمضان من كل عام..

أصدقائي في الكلية لا زالوا أصدقائي.. حتى بعد كل تلك السنوات، لا زلت ألعب معهم الكرة يوم الخميس مساءً ونجلس على أحد المقاهي بعد مباراة مثيرة.. وأقابل مجموعة أخرى من أصدقائي كل يوم جمعة في أحد النوادي على النيل ونتحدث ونضحك بينما يلهو أطفالنا مع بعضهم..

وقعت في حب فتاة في كليتي، بقيت صامتًا لعامين حتى قررت أن أقترب منها وأبوح لها بكل ما في قلبي وكانت المفاجأة أنها أيضًا تحبني.. كان والدها يريدني أن أحصل على وظيفة ثابتة لأن كوني كاتب روائي وسينمائي لا يعد عملًا بالنسبة له.. لم تكن هذه مشكلة فقد كنت ذكيًا وحصلت على وظيفة كمترجم في السفارة بعد تخرجي مباشرةً وتزوجت الفتاة التي لطالما حلمت أن أنهي حياتي معها..

نسافر كل عام مرتين.. ولدي ما يكفي من المال لكي يصبح لدي أكثر من سيارة وأكثر من منزل في عدة مناطق وعدة أماكن حول العالم.. أطفالي في مدارس عالمية وجميعهم رائعون.. أحدهم يحب الموسيقى ويعزف على البيانو بشكل مذهل وأخرى لديها يد فنانة تمامًا كوالدتها..

كل شيء مثالي ورائع عدا أنها ليست الجنة ليتحقق كل هذا.. مرحباً بك في العام 2030 .. ومرحباً بك أيضاً في الواقع..

في الواقع كتبت روايتي الأولى ولم تقبل بها أي دار نشر، ثم كتبت الثانية وقبلتها إحداهم بمقابل مادي بسيط لأنهم لا يثقون أنني جيد بما فيه الكفاية.. ولكن في الحقيقة نجحت الرواية وأخبروني أنني يمكنني أن أتعاقد معهم على جميع رواياتي القادمة لأنني أصبحت في نظرهم كاتب رائع.. على ما أظن.. تعاقدت على رواية ثانية وحصلتْ على جائزة في جامعتي ومن عدة وزارات لأنهم كانوا يرون أنها رواية جيدة حقاً ولكن.. لم أستطع أن أصدق أبدًا.. كان هناك شبح يطاردني ويهمس في أذني بأسباب غريبة.. كأنني فزت بتلك الجوائز لأن لا أحد قد ترشح لها ولأنهم لم يجدوا غيري ليعطوها له.. كان الشبح يهمس في أذني أنني لست جيدًا بما فيه الكفاية..

على أية حال لم تحصل الرواية على المبيعات المهولة التي ظننت أنني قد أصل إليها.. وكلما حاولت أن أطرق باب أي منتج كان يخبرني أن هذا ليس المكان المناسب لتلك الأمور وربما يجدر بي أن أسافر لأكتب في إحدى البلاد الأخرى..

في كليتي.. لم أكن جيدًا حقًا.. كنت أنجح في الإمتحانات بتقدير يتراوح بين الجيد والجيد جدا.. ولم أكن أجيد اللغة التي كنت أدرسها كما كنت أظن..

حتى عندما اعترفت بحبي لتلك الفتاة.. أخبرتني أنني لست الشخص الذي تبحث عنه.. كنت أريد أن أجعلها تقع في حبي لأنها حقًا كانت كل ما أتمنى.. ولكنها وجدت من كانت تبحث عنه بعد عدة شهور ولذلك قررت أن أبتعد..

في الحقيقة كنت أظن أن الإنسان يقع في الحب لمرة واحدة ولا يقوم منه أبدًا ولكنني وقعت كثيرًا.. وكنت أسأل نفسي كيف أننا نقابل هؤلاء الأشخاص ونجد أننا نشبههم لتلك الدرجة وندعهم يغادرون.. كيف نتأكد أننا سنجد ما نبحث عنه إذا لم نبحث داخل ما أمامنا جيداً.. وكل مرة كنت أتعمق داخل شخص ما كنت أقع في حبه.. سواء أكان صديق أو حبيب أو زهور الأزاليا أو القطط الصغيرة.. كنت أحب العالم لأن العالم بداخله شيء رائع يجعلنا نعيش فيه.. ولكنني لم أستطع أن أقع في حب الطريق الذي أسير فيه.. ولا نفسي التي كنت أصبح عليه رغماً عني.. فقط لأن الحياة كان تحدث بطريقة ليست كما توقعت.. لأنني أردت أن أسير في طريق ولكنني أجد نفسي أسير في آخر دون أن أدري..

أنهيت دراستي ولم أجد وظيفة جيدة باللغة التي كنت ادرسها لأنني لم أكن أجيدها.. ولذلك قررت أن أعمل كموظف لخدمة عملاء إحدى الشركات الأجنبية باللغة الإنجليزية وذلك لأنني أجيدها.. كان الراتب جيداً لشاب أعزب يعيش بمفرده في القاهرة.. بعد عدة شهور وجدت إعلانًا للعمل كمترجم ومحرر في إحدى المجلات الإلكترونية والعمل من خارج البلاد ولحسن حظي كان لدي بعض الخبرات ولذلك قبلوني وتعاقدت معهم على العمل لمدة ثلاث سنوات..

ومع إنتهاء مدة عقدي وعدم رغبتهم في تجديد التعاقد وعدم وجود أي شخص يريدني أن أعمل معه نظراً للركود الإقتصادي الغريب الذي ضرب العالم حينها.. كنت مضطرًا للعودة إلى مصر.. كان معي ما يكفيني من النقود فأشتريت منزلًا وسيارة عائلية نوعاً ما، وبحثت عن وظيفة حتى وجدت واحدة بالوساطة -التي أمقتها كثيرًا- في مجلة كبيرة.. كنت أكتب المقالات فتنشر على الورق وفي المواقع.. وأصبح لي الكثير من المتابعين والقراء.. ساعدني هذا حيث أصبحت خامس رواية لي الأكثر مبيعًا في الكثير من المكتبات حينها.. ولكن انقلب عالمي رأسًا على عقب حين قرر أحد السياسيون مقاطعتي لأنني كتبت مقالًا ينتقده.. كان هجوم شديد من كل النواحي حتى الرأي العام عني قد تغير تمامًا فقررت إعتزال الكتابة ومع طردي من المجلة عدت للعمل في خدمة العملاء..

وبعد عامان طلبت خلالهم أمي أن أتزوج وأحظى بأطفال حوالي المليون مرة.. تزوجت زميلتي بالشركة.. كانت الوحيدة التي تبتسم دائماً كل صباح وفي كل مرة أراها أتذكر أن دائماً هناك شيء جيد في هذا العالم..

لم أستطع أن أحقق أمنية أمي بأن أحظى بأطفال لأنني لا أستطيع الانجاب.. ولكن زوجتي لم ترى أن في ذلك مشكلة.. كانت تحبني أكثر من أي شيء في عالمها.. وأنا أصبحت في النهاية أحبها أكثر من أي شيء في العالم.. وأظن لو كنت تزوجت الفتاة التي كنت أحبها في الكلية.. ورغم كل ما كان في عقلي من أفكار عن حياة وأسرة سعيدة مثالية معها.. لا أظن أن الأمر كان سينجح في الواقع مثلما نجح مع زوجتي..

أخبرتني عن الإحتضان وكيف يمكننا أن نتبنى طفلًا صغيرًا ويعيش معنا وكأنه طفلنا ويظل محتفظًا باسمه واسم عائلته.. احتضننا فتاتين.. الاثنتان في غاية الجمال.. وأظن أنني لم أكن لأحظى بعائلة جيدة مثل تلك أبداً..

“لماذا نجلب أطفالًا آخرين لهذا العالم القاسي بينما يمكننا أن نقلل عدد الأطفال الذين يعانون من قسوته.” .. تلك الجملة التي أخبرتني بها رممت كل الشروخ داخلي.. الشروخ التي أصبت بها عندما علمت أنني لا أستطيع الانجاب..

أعيش الآن في منزل مع زوجة تحبني وأحبها.. وطفلتان رائعتان.. لدي سيارة ولدي وظيفة جيدة.. أطفالي ليسوا في مدارس عالمية ولكنهم أذكياء ويتعلمون ما ينفعهم.. أذهب لأهل زوجتي كل يوم خميس وأهلي كل يوم جمعة وأقابل بعض من أصدقائي الذين لا يزالون على اتصال بي من حين لآخر..

كل شيء مثالي ولكن ليس كما كنت أتمنى.. كنت أرغب في حياة بطريقة معينة.. بخطة أعددتها.. وضعت بدايتها وأين سأقف فيها كل بضعة أعوام.. وفي النهاية أصل إلى شيء ما.. ولكن لم تكن الحياة لطيفة معي.. لم تدعني أعيشها كما تمنيت..

تخيل معي دائرة حياتك.. أنت تتمنى أن تسير خلال دائرة معينة.. ولكن هناك دوائر أخرى.. جميعها متشابكة.. وأنت تسير فيها كلها.. كل تلك الخطط.. والمضحك في الأمر أنك حينما تكتشف الخطة وتبني حياتك على أساسها.. ستنهار.. ستتغير الخطة وتبدأ في حياة بطريقة مختلفة تمامًا.. ستظل تسير في طرق أنت لا تعرفها.. أحيانًا ستحب أن تسيرها وأحيانًا ستكون مرغمًا عليها.. ولكنك لا تعرف أبدًا ما نهايتها.. ستسير في تلك الدائرة من البداية وعندما تظن أنك وصلت لنهايتها تذكر أنها ليست إلا بداية أخرى.. وحينما تظن أن حياتك تهبط لأسفل كما تهبط الدائرة.. تذكر أن تنظر من إتجاه آخر.. حينها سترى أنك تصعد لأعلى.. وأنك دائمًا في مكانك المناسب إذا نظرت من المنظور المناسب..

لذا في المرة المقبلة حين تذهب لمقابلتك ويسألك محاورك.. “أين ترى نفسك بعد عشرة سنوات؟”.. أخبره أن هذا لا يهم.. وأن كل شيء سيتغير عن الخطة.. أخبره أنك فقط تركز في هذا العام وهذه اللحظة.. ولا تدع نفسك أسيرًا لأي أفكار حول المستقبل.. عش في الحاضر فقط.. ولا شيء غيره..

8 thoughts on “20 أنا 30”

  1. عرفت تكتب المقال بين أزمنة مختلفة بطريقة سلسة و جميلة جدا .. استمتعت بالقراءة بجد ❤❤?

  2. حلوه اووووي بجد حلوه جدا ، الفكره و طريقة الكتابه و الاسلوب ، نقصها بس تبقي فكره لروايه كبيره?❤ ، حقيقي عجبتني جدا و اسلوبك و طريقه جميله❤

  3. I’m truly enjoying the design and layout of your website.
    It’s a very easy on the eyes which makes it much more pleasant for me
    to come here and visit more often. Did you hire out a designer to create your theme?
    Great work!

اترك تعليقاً