نوستالجيا الحب

المكان هو الأندلس، الزمان غير مقدر ولكنه كان زمان من قدَّروا الحب وعلموا قيمته. إنه زمان بنت المستكفى وابن زيدون. قصة حب عنيفة قد لا تتناسب مع هدوء الأندلس وسكونها ولكنها مع ذلك تعكس رونقها وبهاءها. هذا ابن زيدون يجلس معها ويبدو أنه راق لصوت جاريتها في الغناء فطلب منها أن تعيد عليه كلمات الأغنية مرة ثانية. ويبدو أن هذا لم يلقَ قبولًا في نفس ولَّادة فكتبت له عتاب بطريقتها، وقالت:

“لَو كنت تنصفُ في الهوى ما بيننا ***  لمَ تهوَ جاريتي ولم تتخيّرِ ؟
وَتركتَ غصنًا مثمرًا بجماله *** وجنحتَ للغصنِ الذي لم يثمرِ
ولقد علمت بأنّني بدر السما *** لَكن دُهيتُ لشقوتي بالمشتري”.

هكذا كان عتابها له، لكن وقتها لم تكن تدري أن الزمان سيدور ويبعث لها هو الآخر عتاب على طريقته. لكن هذه المرة كان العتاب أقرب للحسرة وهذا بعد أن انقطعت الأسباب بينهما لعدة مقدمات، ليس هذا هو المكان لسردها هنا، إنما هنا أردت أن أعكس معنى المودة، تلك المودة التي لا تنقطع حتى بعد الهجران. كتب لها ابن زيدون فقال:

“أَضحى التَنائي بَديلًا مِن تَدانينا *** وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا
 فَاِنحَلَّ ما كانَ مَعقودًا بِأَنفُسِنا *** وَاِنبَتَّ ما كانَ مَوصولًا بِأَيدينا
 وَقَد نَكونُ وَما يُخشى تَفَرُّقُنا *** فَاليَومَ نَحنُ وَما يُرجى تَلاقينا”

الحب على طريقة الرحباني

آخر شطر في البيت الأخير هو الذى إنتهت عليه العلاقة بين ابن زيدون وبنت المستكفي ، لكن لم تنتهي قصص الحب عند هذا البيت. يختلف المكان ويتغير الزمان ويطير بنا إلى لبنان. تقع فيروز في غرام الرحباني ويقتربان من الزواج. إلا أنه قبل زواجهما حدث موقف لم تستطع فيروز أن تنساه. إتفق المحبان أن يذهبا يومًا إلى الأستوديو للتسجيل وطلب منها الرحباني أن تنتظره قليلًا في الشارع حتى يعود إليها. لكن تأخر الرحباني كثيرًا ولم يعلم وقتها بذاكرة فيروز القوية التي ستذكره بتلك الليلة في كل مناسبة. تأخر الرحباني وأمطرت السماء على فيروز وكأن كل قطرة مياة سقطت على عينها مثلت دموع تعاتب المحبوب على خطأ مثل هذا. حدث ما كان متوقع ولم تغفر له ذلك الفعل أبدًا. وكان السبيل الوحيد للصلح هو أن يصالحها بطريقة تألفها فيروز وتحبها. فكتب لها أغنية توثق الواقعة فقال:

بأيام البرد و أيام الشتي
والرصيف بحيرة والشارع غريق
تجي هاك البنت من بيتها العتيق
ويقلا انطريني وتنطر ع الطريق
ويروح وينساها وتدبل بالشتي

هكذا انتهى الأمر بينهما وكان آخر ما قالته فيروز بخصوص تلك الواقعة “الآن سامحتك”.

الحب وأشياء أخرى

استمرت قصص الحب في مختلف الأماكن وعلى مر الأزمان. يتقابل المحبون ويتفانى كل منهم في تقديم كل ما لديه لمعشوقه. تقدم الزمن سريعًا وأختفى جمال تلك العلاقات. خسرت العلاقات العديد من سماتها فخسرت الفتاة معاني كانت قديمًا تقاتل لكي تحصل عليها. الحب ليس هروبًا من العنوسة وليس هروبًا من ظنون الناس فنقع في غرام وهمي لا يتفق مع آمالنا. العامل المشترك للقصص السابقة هو الصدق. كل محِب صادق محبوبه حتى إن لم تكتمل العلاقة إلى النهاية، وبالمناسبة كلتا القصتين بالأعلى لم تكتمل. ولكن عامل الصدق هنا ظهر دوره فجعلك تتذكر جمال العلاقة فقط.

 إذا تأملت في سبب فشل معظم العلاقات في تلك الأيام ستجد الكثير ولكن أهمهم هو عدم الوضوح والغش. يغش الرجل زوجته فتتفاجئ بإنسان آخر غير الذي عرفته فى الخطوبة. وتغش المرأة زوجها فيتفاجئ بأسرار البيت على ألسنة العائلة يتداولونها كيفما شاؤوا. إن هؤلاء لم يصدقوا القول وبالتالى لن يفهموا إذا قلت لهم أن ابن زيدون بعث بقصيدة يتوعد فيها ابن عبدوس عندما ارتبط بحبيبته السابقة ولادة بنت المستكفى. وهذا يعكس صدقه عندما كتب لها تلك الأبيات في الأعلى. كما أن هؤلاء لم يصدقوا الفعل، بالتالي لن يفهموا أن فيروز غنت “سألوني الناس” لزوجها الرحباني الذي أصيب بنزيف في رأسه فلم يستطع أن يحضر معها في إحدى المسرحيات. وهذا يعكس صدقها عندما قالت له “الآن سامحتك”. الإنسان السوي في هذا العصر هو الذى يشعر بحنين إلى ذلك المعنى الأصيل للحب. لقد انقلبت معاني ومفاهيم الحب فأصبح إنسان هذا العصر ضائع ومشتت في معاني مزيفة غير حقيقية. وينتهي به الحال مثل باقي الذين لم يدركوا الحب، يختلوا بأنفسهم ليلًا وينظرون لسحب الليل الشاردة وضوء القمر الخافت على أنغام أم كلثوم “وتفيد بإيه يا ندم يا ندم يا ندم “.

1 thought on “نوستالجيا الحب”

اترك تعليقاً