مش أسطورة

“عندما دقت الساعة الثانية عشر تمامًا، تحديدًا في ليلة الرابع عشر من ذلك الشهر، تحت ضوء القمر المكتمل، بدلاً من أن تتحقق أسطورة المستذئبين أو لعنات مصاصي الدماء.. حدث الأغرب، ضوء لامع يظهر بالسماء كما لو كانت ساعات الليل قد انتهت وظهرت شمس اليوم الجديد، وإذا بظهور بوابه شاهقة من جوف قريتنا المنعزلة، بوابة اللعنة. لم تكن شمس اليوم الجديد كما تمنيت، كان ضوء لعنة النزاع التي ستطارد عائلتي. كان ضوء مذنبنا الملعون مذنب المطر”.

أغلق غريب المذكرات وكأن أحدهم قد قطع لسانه وفك أوصاله لم يستطع حتى إعادة المذكرات لمكانها في درج مكتب أبيه، “يعني إيه؟ يعني إيه كل ده؟ ليه عيلتنا؟ ليه يابا سايبلي ده دلوقتي؟ واحد زيي هيعمل إيه في كل ده!”

تدخلت الأخت لتنقذ غريب من عقله “غريب، مش هتروح الشغل النهارده برده؟”

 “مش قادر والله يا بسنت

 “يا حبيبي ده انت كده من امبارح، حرام عليك أكيد بابا مكنش هيبقا عايزك كده، قوم استهدي بالله وكل لقمة و روح شغلك”

قال غريب مستجمعًا قوته ومترجيًا جسده أن ينفذ أوامره ليرفع نفسه من علي الارض “حاضر يا بسنت قايم أهو”

اسمي غريب وأبلغ من العمر ثلاثين عامًا، أعيش بقرية النظام الواحد، لربما لم يسمع أحد عنها شيء، فهنا في قريتي لا نتخذ القرارات من تلقاء أنفسنا، الحياة هنا تدار بنظام قد وضع منذ ١٠٠ عام، من قبل أشخاص لا نعلم من هم ولكن نعلم بدون أى دليل أنهم فقط على صواب وأن هذا من أجل القرية، فإن كانوا أجدادك أطباءً فستكون سعيد الحظ وتصبح طبيبًا، وتدرس الطب، وإن كان أجدادك موظفين بشئون الطلبة مثلي فيا لتعاستك.

حياة روتينية مملة، بفكرة فقط أن ذلك الأصلح لأهل القرية لتفادي الحادث المأساوي بالماضى، فقبل ١٠٠ عام، كان أهل القرية يتقاتلون لأجل المناصب والمراكز، وأريقت الدماء، وفي ليلة الرابع عشر من الشهر أنفجر نور ساطع من الصحراء أعتقد أهل القرية أنه بسبب اكتمال القمر ليس إلا واليوم التالى زار القرية هؤلاء الغرباء.. من كانوا سببًا لفرض ذلك النظام بدلاً من حل ذلك الصراع من جذوره..

كمثل لعنة أطلقوها على البلدة، وها نحن هنا، من النادر أن ترى بقريتنا شخص سعيد بحياته التي اختيرت له، ليس حتى من قبل والديه بل من قبل لعنة، أليس لكل إنسان هالته الخاصة؟ تختلف باختلاف حالته النفسية، وأهل قريتنا دائما ما تكون هالتهم ضعيفة. قرية يزينها الأبيض والأسود وتختفي منها الألوان، فقط آلات تعمل.

تظن بسنت أني لم أنم حزنًا مني علي أبي ولكن لم يتركني الأرق يومًا في كل الأحوال، ذهبت لعملي وفى الطريق كعادتي ألقيت التحية على شيخ حارتنا، عم سلامة رجل يبلغ من العمر ٦٠ عامًا، توفت زوجته ويعيش وحيدًا بعدما تزوج جميع أولاده، منزله المقهى في منتصف البلدة لا يتحرك منها حتى أني أظن أنه قد نسي مكان بيته من الأساس، لم يسبق لي الحديث معه، لكن دائمًا ما أتسائل عن سبب سعادته غير العادية بقريتنا.

 كان يومي كالذي يسبقه، “كوباية شاي وفطار وشوية ورق بيتمضي وخلاص علي كده”. كما يصفه دائمًا المدير عندما أتحدث معه، أعتقد أحيانًا أن اللعنة التي جاء بها المذنب على البلدة هو الملل ليس أكثر.

“سلامو عليكو أنا عبده عندى ٢٩ سنة وزهقت من الجامعة دي خد خلصلي الكام ورقة دول خليني أتخرج أحسن لك، عشانك مش عشاني، يعني خاف على نفسك وانجزني” قالها فتى يبدو في أواخر العشرينات من عمره، ملابسه غير مرتبة، تبدوا على وجهه المشاكل، لم تمضي دقائق حتى تأكدت أنه “بلطجى” ولكن! ماذا يفعل مثله بالجامعه؟! كيف له ذلك؟ تعطلت اللعنة أم ماذا ؟؟

“أنت بتتكلم كده ليه يابني؟”

“ياعم أتكلم زي ما أنا عايز، خلصني بقولك بدل ما أعملك مشكلة هنا”

أنهيت أوراقه وأنا أفكر ما الذي يحدث! كنت مصدومًا ليس فقط من طريقة كلامه لكن لم استطع الاحساس بمستقبله؟ كيف لا تعمل قدراتي معه؟ أهناك طريقة لإبطالها؟! تلك القدرة لا يدري عنها سوى عائلتنا، وقد تعاهدنا على كتم سرها؟ وبأنه ذات يوم ستكون سبب لتغيير كبير، ماذا يحدث لي؟ رأسي يؤلمني بشدة!

خرج غريب من عمله يلتفت حوله يشعر كأن البلدة كلها ترمقه بعيونهم وبين هذه العيون يظهر عم سلامة “إيه يا غريب يا بني مالك كده، هتفضل كل يوم مروح عامل كده، قربت تعجز ولسه مش راضى عن حياتك، اقبل الواقع بتاعك عشان تتهنا بحياتك،  الحق فرصتك قبل ما تفوت منك.”

وأنهى حديثه قائلاً: “الأشياء الجميلة ستأتينا حتى لو لم ننتظرها، لذلك أترك الأمر وسيأتي لك كل جميل”

انهيت حديثي معه قائلاً: “كل واحد بيتولد ياعم سلامة ومعاه شوية كلمات مكتوبة في كتابه، جميل وسعادة دي مش مكتوبة عندي، صدقني أنا فقري وعارف نفسي، أستأذنك يا عم سلامة هطلع أريح يدوب ألحق أريح حبه وآكل وأنام علشان الشغل تاني بكرة”

“ماشي يا ابني أنا موجود لحد بالليل تعالى عايز أقعد معاك”

“هحاول بس موعدكش ياعم سلامة والله”

“هستناك”

“إن شاء الله”

صعد غريب لبيته وبدون حتى أن يغير ملابسه حاول أن ينام قليلاً كما يفعل كل ليلة، لكن تذكر أنه لم يرَ خفايا ذلك البلطجى! نفس الشيء قد حدث مع شيخ الحارة، فلسنوات لم يستطع رؤية شيء داخله لكن لطالما أعتقد أنه كان بسبب سنه ورتابة حياته فلا يوجد شيء في مستقبله ليراه من الأساس لكن يبدو أنه بحاجة للتفكير فيهما قليلاً.

“لا لا ايه اللي بعمله ده أنا مالي أصلاً، غريب نام يا غريب وبطل تفكير”

صاح بعد لحظات:

“أنا فين؟ إيه اللي بيحصل، الكتاب! ايه النور ده؟”

“افتح عينيك يا غريب، جه الوقت عشان تعرف الماضي، وتعرف قوة قدراتك، أنا حارس البوابة وأنت دلوقتي مستعد تنهي اللعنة”

شعرت وكأنني بزمان غير الزمان، أراني ذلك الشبح الماضي، وأدركت كل شىء الآن وحجم قدراتي التي كنت أجهلها، انطفأت الأضواء فجأة وبدأ المكان بالانهيار.

أغمضت عيناي وعبرت البوابة لأول مرة، تلك البوابة مصدر تلك اللعنة وخلفها عالم آخر لا ندري عنه شيئًا، أشكالهم وأحجامهم مختلفة، وعالمهم مفعم بالحياة والألوان، يعيشون على طاقة قريتنا التى سلبوها منا.

“شيخ الحاره! ماذا يفعل هنا؟! والبلطجى؟!

اتضحت الأمور الآن، وكيف أن تلك اللعنة لم تكن تؤثر بهم، ويجب عليّ إيقاف ذلك الأمر، توجهت لمركز تحكم العالمين حيث يجتمع عبده وعم سلامة مع قادة هذا العالم.. حان وقت استخدام قدراتي، وبدأت معركة عنيفة بيننا..

صرخ عم سلامة في غريب “فاكر أن كده هترتاح؟ منا قولتلك اقبل باللي أنت فيه” 

“مش هقبل، وكله هيرجع يعيش حياته، وقريتنا هترجع أحسن من الأول مش هيبقى فيها أمثالك” صرخ فيه غريب واستجمع كامل طاقته وبآخر أنفاس امتلكها ضغط ذلك الزر، وفصل ارتباط العالمين.

لا أذكر حينها غير أنني سقطت وأنا أرى إنفجار ذلك العالم،  واستيقظت في بيت عم سلامة!

“غريب أنت كويس؟ إيه يابني الشباب لقوك مغمى عليك في آخر القرية وجابوك”

“هو أنا كنت بحلم ولا إيه” 

قالت بسنت: “يا غريب قلقتني عليك”

قفزت مسرعًا أركض في أرجاء القرية، لم أكن أصدق ما أرى  كانت القرية ولأول مرة  منذ ١٠٠ عام مفعمة بالحياة والألوان، ضحكات الأطفال تملأ الأرجاء، لم يكن أي منهم يدري عن ما حدث شيئًا، وكأن شيئًا لم يحدث.

قفزت بأرجاء القرية وسط الأطفال أصرخ وأبكي، وبأعلى صوتي يااااااا جدي لقد فعلتهاااا، فعلتها يا جدي ولم أفعلها فقط، نسى الجميع ذلك الألم وتلك الحياة والآن فقط يا جدي أستطيع أن أهنيء بحياتي،  سأتذكر ذلك اليوم ما حييت.

مضى الكل بحياته، وعم سلامة ظل على كرسيه ذلك بحارتنا يربط على قلوبنا بكلماته البليغة كعادته حتى عبده أصبح يعمل بإحدى الشركات، ولم يعد ذلك الفتى وأنا تزوجت، ورزقت بأجمل صغيرة رأتها عيناي.

“يا بابا بجد أنا ممتنة إنك بابايا أنا، يلااا هات الكاميرا بتاعتك ناخد صورة بمناسبة اليوم الحلو ده”

“ماشي يا ست مريم” 

“أجمل الأشياء في العالم لا يمكن رؤيتها أو لمسها، إنها محسوسة في القلب.”

اترك تعليقاً