محمد يوسف: ”نُقْطة تحوُّل“

يتحسس بقدميه العاريتين في الظلام، ليخطو خطواته في هدوء، مُحاط بأصوات خافتة تزعجه، وأعين تراقبه من كل زاوية في غضب، لقد رأى ذلك المشهد مرارًا، يلتقط أنفاسه بصعوبة، وينتظر من يكون له طوق النجاة، ليسحبه من هذا العالم، يرتجف خوفًا من مصيره، مُتسائلًا هل أنها رحلة بلا عودة؟ أم أنه غارق في أحلامه؟ تتوقف عقارب الساعة للحظة ليأتي صوت من بعيد..

– ”محمد .. قوم يابني هتتأخر على الاِمتحان“.

يُحرك عينيه في أرق وعلى وجهه نفس البسمة، قائلًا:

– ”نفس الحلم ورايا ورايا .. مفيش تغيير حتى في الأحداث“.

يُقال أن الجميع ينتظر وقت النوم، ليُحقق ما ينقصه في أحلامه، لكنها أسوأ الأوقات لطالما راوده هذا الحلم ..

استيقظ يومها لتقع عيناه أولًا على ورقة مُعلقة بمُنتصف الحائط كُتب عليها بخط اليد ” البشمهندس محمد “ ليعود ذهنه للواقع سريعًا ويتذكر أنه عليه الاستعداد ليذهب لأداء آخر امتحانات الثانوية العامة أو -كما يُلقبها البعض- عُنق الزجاجة.

كان شعوره وقتها مُتضاربٌا، مزيجًا بين السعادة والقلق؛ فهو سيتخلص أَخيرًا من ذلك العام بكل ما يحمله من ضغط وإِرهاق وأَرق، وفي الوقت ذاته قلق مما هو قادم.

انتهى من أداء الامتحان الآخير وبمُجَرد دخوله لغُرفته تَعثر مرة أخرى بتلك الورقة، والجدير بالذِكر أن ذلك الخط لم يكن خطه بل كان خط والده. كطالب من طلاب الشُعبة العلمية -رياضيات- وضعه والده في صورة ” المُهندس المُنتظر “. كونه الابن الأكبر للأسرة جعل الأمر أكثر صعوبة؛ أباه ينتظر تلك اللحظة التي سوف يتباهى أمام كل زملائه بكونه ” أبو البشمهندس “، و أمه تراه الورقة الرابحة التي ستنتصر بها على كل نساء العائلة.

أما هو فلم يكن شغوفًا بدراسة الهندسة من الأساس. كان اِلتحاقه بهذه الشعبة اِمتثالًا لقرار أبيه؛ الأب الذي لم يوفق ليلتحق بكلية الهندسة فقرر أن يحقق حلمه في أول أبنائه.

لم يعتد والده على سؤاله عن رأيه أو عن رغبته، وهو لم يعتد المناقشة، لم يعتد أن يرغب من الأساس. على العكس تمامًا .. كان التوأمان الصغيران أكثر تُمردًا على قرارات والديّهما وأكثر تمسكًا برغباتهم. مما زاد من حدة الضغط على عاتق محمد، فقد أصبح في نظرهم ”الفالح اللي فيهم“ ومُحقق آمالهم الوحيد.

كل ما عليك فهمه أنه ليس أمامه سوى أن يكون ذلك الشخص الذي قرر والداه أن يكونه، ويسير ذلك الطريق الذي رسماه له.

قاطع ذلك الضجيج في رأسه صوت أخته تسأله عن امتحان اليوم، كانت ندى أقرب أفراد الأسرة له و حافظة أسراره. فعلى الرغم من أنها تصغره بثلاثة أعوام إلا أنها كانت أكثر نُضجًا واِتزانًا، أجابها:

– ”الحمد لله “.

لاحظت ندى تَعَلُق عينيه بالورقة على الحائط، ربتت على كتفه وأخبرته بأنها تثق به وتعرف أنه بذل كُل ما بوسعه وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

ابتسم لها بهدوء ولم يُعقِب.

مرت الأيام ببطء ومع كُل صباح جديد كان توتره يزداد. الجميع يتحدث عن نتيجة الثانوية العامة ومؤشراتها، وأن هذا العام وفي ظل النظام الجديد ستنقلب كل الموازيين وتتغير كل الثوابت.

حتى كان اليوم المُنتظر .. اجتمعت الأسرة حول التلفاز تتابع مؤتمر وزارة التربية والتعليم، انتهى إعلان أسماء الأوائل والحدود الدنيا للمرحلة الأولى من التنسيق وأُعلن أنه خلال ساعات ستكون النتيجة متاحة للجميع على موقع الوزارة.

تجمعت الأسرة مرة أخرى ولكن حول الحاسوب هذه المرة، دون أن نطق أشار له والده ليجلس هو مكانه وبعد عدة محاولات ظهرت النتيجة أخيرًا؛ مجموع الدرجات: 321.5  درجة، النسبة المئوية: 78.4 %.

الجميع ينظر للآخر. لا أحد يُبالي بالصبي قدر الأب، الجميع ينتظر ردة فعله هو. وحدها ندى كانت مُمسِكة بيد أخيها تنظر له نظرة فخر فهي تعلم جيدًا كم بذل من جهد في هذه السنة، وأنه لم يُقصر في دوره أبدًا. انصرف الأب إلى غرفته دون أي ردة فعل وتبعته الأم، دخل أخوه أحمد غرفته دون أن يوجه له أحد أي كلمة.

باركت له ندى وطمأنته قليلًا، كان راضيًا يريد أن يفرح بثمرة مجهوده طوال العام. ولكن كان شعور القلق من ردة فعل والده -أو بمعنى أدق عدم ردة فعله- مُسيطرًا عليه. دخلت والدته قاطعة ذلك الحديث لتخبره أنه يجب عليه التحدث مع والده.

دخل محمد غرفة أبيه، الصمت كان سيد الجلسة حتى بادر محمد:

– ”بيقولوا التنسيق هيقل جدا السنادي“.

رد والده بغضب:

– ”يقل؟ هيقل قد إيه يعني، 10 % ؟؟ برضو مش هتلحق !!“.

-”محدش عارف ممكن يحصل إيه، أنا واثق أن ربنا مش هيضيع تعبي“.

رمقه والده بنظرة اِستهزاء ثم أشاح بنظره عنه مُتمتمًا:

– ”خايب“.

خرج من غرفة والده وهو يدرك تمامًا أنه لن ينجو من إطار ” الخايب “ الذي وضعه به يومها أبدًا.

بالطبع لم يكن مسموحًا له بأن يُرتب رغباته بنفسه وكأن والده هو من سيلتحق بالجامعة بدلًا عنه، رتب والده الرغبات واضعًا كل كليات الهندسة في المُقدمة غير مُكترث بما يليها. بالنسبة له كل ما هو دون الهندسة سواء.

أيام معدودة ثم أُعلن ظهور نتيجة المرحلة الثانية من التنسيق، جلس محمد في غرفته أمام حاسوبه، بيد مرتعشة أدخل بياناته..

ثوانٍ قليلة -مرت كأنها ساعات- ثم ظهرت الشاشة أمامه ” يتشرف مكتب التنسيق بإخطاركم أنه قد تم ترشيحكم إلى كُلية …. “.

يُتبع …

9 thoughts on “محمد يوسف: ”نُقْطة تحوُّل“”

اترك تعليقاً