محمد يوسف: ”من ناصية الشارع لخط حلوان“

لا مفر، فكابوس الليلة الماضية منعه من النوم خلال الساعات الفائتة. لا يوجد شئ مُميز يُمكن فعله بعد العودة من الشارع للمنزل في ذلك الوقت. الساعة تدق السادسة ليلًا وتدق معها أجراس الخطر في عقل محمد بضرورة الأنشغال بأي شئ لتفادي كابوس الليلة. ولأنه وجد نفسه مُشتت التفكير في فعل شئ يملأ وقت فراغه، فكان السبيل الوحيد لإضاعة الوقت في شئ يحبه هو مشاهدة فيلم عربي قديم.

فتح التلفاز ليشاهد فيلم السهرة، فوقع اختياره على فيلم الحريف لعادل إمام. في بداية الأمر كان يُشاور عقله ليشاهد فيلمًا آخر، لَكِنَ صوت أحمد زكى وكلمات أمينة جاهين كان لهما من التأثير ما جعله يكمل الفيلم حتى النهاية :

”في ناس بتلعب كورة في الشارع ..

وناس بتمشي تغني تاخد صورة في الشارع ..

في ناس بتشتم بعض .. تضرب بعض .. تقتل بعض في الشارع ..

في ناس تنام ع الأرض في الشارع ..

وناس تبيع العرض في الشارع ..

وفي الشارع .. أخطاء كتير صَبَحِت صحيحة ..

لكن صحيح هتكون فضيحة .. لو يوم نسينا وبوسنا بعض في الشارع“.

في الحقيقة، مواقف الشارع بالنسبة لمحمد كانت تُمثل له الكثير من الذكريات والكثير من الدروس أيضًا. بعد التحاقه بكُلية الحاسبات في حلوان، كان عليه أن يستقل الأوتوبيس من أمام منزله حتى يصل إلى محطة المترو. الخمس دقائق التي كان يستغرقها حتى يصل إلى المحطة كانت كفيلة بأن تُشكل جُزءًا كبيرًا من وعيه فيما بعد.

كان يُبصر دائمًا صراعات الركاب مع سائق الأوتوبيس بسبب الأُجرة. أحدهم يضطر إلى النزول بعد أن فاز الكومسري بالجدال طبعًا وفي عينه حسرة يستطيع أي أحد أن يراها بسهولة. والآخر بقليل من الصوت العالي يستطيع أن يوقف الكومسري عند حده ويقنعه بطريقة ما أن المحطة القادمة اقتربت وبالتالي لا يوجد ضرورة قوية لتلك الخمس جُنيهات مُقابل الأُجرة. وراكب ثالث يخسر الجدال مع الكومسري، إلا أن أحد الركاب يصعُب عليه أن يرى هذا الموقف فيدفع الأجرة له منعًا لتطور الأزمة.

مع كل تلك الأحداث، كان هناك موقف واحد سيطر على ذهنه. في يوم ما، صعد إلى الأوتوبيس أحد البائعين ولكنه تفاجئ بصبي صغير يصعد ليبيع نفس المُنتجات. جن جنون الرجل طبعًا، وأخذ يصيح فى وجه الصبي:

– ”هو أنت مش شايفني، طالع ورايا ليه“.

الأمر بدأ يأخذ مسار الجدية بعدما قام الرجل بدفع الصبي من ذراعه ليخرجه من الأوتوبيس، لكن تدخل الركاب لمنع حدوث ذلك ووقف الصبي يعرض منتجاته. بدأ الرجل بعمل تخفيض على ما يبيعه مُحاولًا جذب أموال الركاب، وعندما لاحظ الصبي ذلك أخذ يقول بصوت عالي:

– ”كل واحد بياخد نصيبه“.

هُنا امتنع كل الركاب عن الشراء من أي منهما خوفًا على مشاعر كلاهما عندما يرى الآخر يبيع على حسابه، وأيضًا حقنًا لدماء الصبي الذي كان سيأخذ قِسطًا كبيرًا من الركلات من قِبَل الرجل حينئذ.

بعد أن سرح محمد قليلًا مع هذا المشهد، اكتشف أنه غفل عن الفيلم لدقائق طويلة بعدما سرح في كلمات جاهين بالأعلى. لذلك قرر أن يعطى قليلًا من الانتباه لأحداث الفيلم، لاحظ أثناء المشاهدة أن عادل إمام لا يحمل صفة ”الحريف“ في أي جانب من جوانب حياته؛ حيثُ كانت معظم الأحداث تعكس القرارات الخاطئة التي يأخذها البطل طِوال أحداث الفيلم.

رُبما كان حريفًا في كُرة القدم فقط، ولكن غير ذلك كان يرتكب الكثير من الحماقات.. يُمكن القول أن هذه الفكرة كانت مصدر إلهام لمحمد في ذلك الوقت، خُصوصًا عندما تذكر الشباب الثلاثة الذين كان يُقابلهم عندما يصل إلى محطة المترو، كان هؤلاء الشباب يتجمعون صباحًا كل يوم بالقُرب من محطة المترو.

في البداية لم يكن أحد يعرف لماذا يتجمعون وأي نشاط يمارسون. إلا أنه في يوم ما انتشر الخبر في المنطقة بأن هؤلاء الشُبان تم القبض عليهم بتهمة تناول المخدرات، ورأى بنفسه مشهد اقتحام الشرطة للمكان والقيام بالقبض عليهم.

الحدث يمكن أن يمر على سمع أي شخص كأي حدث آخر، ولكن الأمر معه يختلف خُصوصًا عندما عرف أن هؤلاء الشباب كانوا زملاءه في الجامعة. لا توجد كلمات توصف حزنه عليهم، لكننا يمكننا أن نقول أنه بكى على حال عادل إمام في الفيلم كما بكى على حال زملائه من قبل. فكلهم لم يكن حريفًا في صُنع حياة هادئة أبدًا.

انتهى الفيلم بدون أن يستشعر محمد مغزى معين، فكان هناك العديد من العِبَر على أية حال.. كان يرى أن المعنى الوحيد الذي يمكن استنتاجه من الفيلم يكمُن في اسم الفيلم نفسه. الحريف“ ليس مجرد صفة يكتسبها المرء عند اتقان مهارة معينة، ولكنها قيمة ضرورية تظهر عند التعامل مع الناس. وتظهر أكثر وأكثر عند التعامل مع الناس في الشارع بالذات.

الساعة تدق التاسعة ليلًا، وكابوس هذه المرة لن يكون سهلًا. بدت لمحمد وقتها فكرة جيدة، وهي أن يتمشى على كورنيش النيل ويستمع لأغاني المحبوبة فيروز. كان الشارع الذي يسكن فيه هادئ بطريقة مثيرة على عكس المتوقع. لدرجة أنه نسى مشواره إلى كورنيش النيل، وذلك بعد أن لمح فِراشة كُتب صغيرة تقع على ناصية الشارع. وجد نفسه لا شعوريًا يتجه نحوها:

– ”السلام عليكم يا حاج، عندك كتب عن الأدب الروسى؟“

– ”وعليكم، بتقرأ لمين؟“– قالها بوجه يحمل الكثير من اللامُبالاة –

تمايل وجه محمد ناحية اليمين وأخذ ينظر إلى كتاب ملامحه مغمورة.

– ”بلاش الكتاب ده بالذات، خليك فى الأدب الروسى أحسن“.

قالها البائع بسُخرية، حمل محمد الكتاب المغمور بين يديه ثم نظر له ثانية وقال:

– ”بكام..؟!“.

يُتبع…

اترك تعليقاً