محمد يوسف: ”لَكِنَ للقدر دور آخر“

– ”حاسبات، أنا جالي حاسبات، هبلغهم إزاي بره، أطلع من الأوضة وأقولهم مجاليش هندسة إزاي؟“.

جلس محمد في دهشة وقلق من رد فعل أهله بعدما خاب توقعاتهم في دخوله لكُلية الهندسة كما أرادوا.

– ”غريبة أنا مبسوط مش مضايق، آه مكنش فارق معايا الكُلية اللي هدخلها، بس مبسوط إن القدر خلاني لأول مرة هاخد قرار بنفسي منغير ما أهلي يختارولي هعمل إيه في حياتي، بس مش عارف هقولهم إزاي“.

خرج محمد لأهله ومعالم القلق على وجهه، أخبرهم أن التنسيق جاء له بكُلية حاسبات وليس هندسة.

هُنا كان الغضب عارم في نظرة أبيه الذي دائمًا ما أراد أن يصبح ابنه مُهندس، قطع هذا الصمت صوت ندى أخته وهي تبارك وتزغرد له فرحًا حتى نظر لها أبيها وصمتت هي الأخرى، بات الصمت هو سيد الموقف، لكن كي يخف الحد من التوتر نطقت الأم أنه سيصبح مُهندس أيضًا لكنه مُهندس حاسبات، ابتسم محمد في فرح لتدخل أمه لتهدئة الوضع ثم ذهب مرة أخرى إلى غرفته وذهبت خلفه أخته ندى.

ثاني يوم صباحًا استيقظ محمد على صوت ندى تُدندن مع أغنية فيروز المُفضلة له، وهي تُعد له القهوة والفطار ليجلسوا سويًا في الشُرفة، بدأت تُلقي بنظراتها لتُراقب تعبيرات وجهه:

– ”شكلك مبسوط أنك ملحقتش هندسة“.

تَنَهَّدَ بسُخرية ضاحكًا:

– ”هتصدقينى لو قلتلك مكنش فارق معايا أدخل إيه من زمان، بابا هو اللي بيقرر أعمل إيه وادخل إيه، من ساعة ما قرر أني هدخل علمي رياضة ومسألنيش حتى إذا كُنت عايز أدخلها ولا لأ، زي ما يكون هو اللي هيعيش حياتي مش أنا، بس مرضتش أضايقه ودخلت علمي رياضة، لما قالي هتدخل هندسة برضو مأخدش رأيي، كأني مليش رأي وبرضو مرضتش أقول إنها مش حلمي..“.

نظرت ندى إليه، وينتاب وجهها علامات الدهشة:

– ”ياااه كل ده شايله ومقولتوش لحد، علشان كده مبسوط بحاسبات“.

– ”أنا مش فارق معايا هدخل إيه قد ما فارق معايا أنه لأول مرة القدر ساعدني أعترض قرار بابا من غير ما أكون في وش المدفع، كفاية كلام بقى وخلينا نستمتع بالأغنية شوية“.

بعد أكثر من شهر من بدء الدراسة بدأ محمد يشعر بالضجر؛ لأنه كالمُعتاد لم يتخذ أي صديق بعد، اقتربت نهاية النصف الأول من العام الدراسي الأول له وكل ما يفعله يذهب للمحاضرات ثم يرجع للمنزل، فأصبحت الكُلية مُجرد مكان مُجبر للذهاب إليه للتعلم، ولم يجد شئ يهون عليه ساعات الأنتظار بين المحاضرات، فأتخذ المشي هواية له في ساعات الأنتظار، وهنا بدأ يُلاحظ تجمعات طلاب كثيرة، عندما سأل ما هذا؟ فأخبره أحدهم أنهم نشاط طُلابي، لم يحفل وذهب لطلب الطعام.

بعدما أخذ الطعام وضع سماعات الأذن بدأ الاستماع لأغنية فيروز، بدأ محمد يدُندن مع نفسه حتى انتهت الأغنية ثم جاءت المزيد من الأغاني الأجنبية حتى انتهى من الطعام، ثم ذهب لأخر محاضرة له في هذا اليوم.

عاد محمد إلى البيت مُنهك من التعب، فذهب إلى غرفته وبدل ثيابه وخرج إلى الصالة:

– ”ماما، مُمكن فنجان قهوة من إيدك اللي زي العسل دي“.

 ثم يُقبل أمه قائلًا:

– ”بسرعة ونبي عشان هموت من الصُداع“.

– ”متعرفش تكمل جملة واحدة عِدلة، يعني بتدلعني علشان عايز حاجة يا مصلحجي“.

ذهبت إلى المطبخ لتُعد القهوة، ثم جاءت أمه بفنجان القهوة وشرعت في سؤاله:

– ”يومك كان عامل إزاي انهارده“.

أجابها محمد بصوت فاتر:

– ”عادي مفيش جديد“.

نظرت إليه الأم وهي تُعاتبه:

– ”يا ابني مينفعش اللي أنت فيه ده، لازم تصاحب ناس مش هتعيش باقي حياتك كلها كده لوحدك“.

أجابها حتى تطمئن عليه:

– ”يا ماما أنا مببقاش مرتاح وأنا وسط ناس، أنتِ عارفة مبعرفش أتعامل كده عادي، الموضوع صعب إني ألاقي حد وأبتدي أتعرف عليه وأعرفه عن نفسي“.

– ”يا ماما ما أنتِ عارفة ابنك، طول عمره انطوائي ومبيكلمش حد، ما عدا أنا طبعًا صح يا محمد؟“.

قاطعت ندى حديثهما بتلك الجملة، لترد الأم:

– ”وده حل يعني يا بنتي، هيعيش باقي حياته لوحده يعني“.

رد محمد حتى يُنهي هذا النقاش كَكُل مرة وهو يغمز بعينيه لندى:

– ”ربنا يخليكي ليا يا ست الكُل هو أنا هلاقي حد زيك“.

ردت أمه:

– ”أضحك عليا بكلامك زي كل مرة“.

ذهب محمد إلى الكُلية، لكن اليوم لديه محاضرتين فقط وبينهم ثلاث ساعات فرق فخطط جيدًا لما سيفعله في هذه الساعات، خرج من قاعة المُحاضرات ببطئ بسبب الزحام، كان هو ومجموعة من البنات أمامه في القاعة، وقعت عيناه على فتاة أدرك اسمها من صوت زميلتها:

– ”مستنيه إيه يابنتي يلا يا فيروز ننزل الكافيتيريا، لسه فاضل وقت كبير عالمحاضرة اللي بعدها“.

دق قلبه لوهلة، هل هو الحُب من النظرة الأولى؟ لا يعلم، أفاق من جموده وخرج من القاعة، بينما يصطدم بالمارة وهو لا يُبالي سوى بفيروز الفتاة الجميلة، لكنه لن يُبادر معها بالحديث مهما حدث ولن يفلح الأمر.

 مر على الكافيتيريا؛ ليحتسي قهوته حينها، وعلى بُعد أمتار وقعت عينيه عليها مرة أُخرى وصمد للحظات، كانت تطلب هي الأُخرى قهوتها ثم التفت وأتت جهته، ظل صامدًا وقلبه يدق سريعًا، تتحرك عينيه مع خطواتها، أدركت الفتاة نظراته والتقت أعينهما لحين شعرت فيروز بالغرابة، وسريعًا التف ليبعد نظره عنها بعدما اِحمر وجهه خجلًا ثم مضى في طريقه بعيدًا.  

بدأ يمشي في الجامعة ليرى مباني الكُليات الأخرى، تَنَهَّدَ وهو يقول لنفسه مُندهشًا:

– ”مش كُنت دخلت كُلية علوم وابقى طول اليوم في المبنى الجميل ده، وإيه كمية الفراشات والحيوانات المُحنطة دي، بجد المكان مُبهج بالجنينة اللي حوالين المبنى“.

ثم يجلس محمد شاردًا في جمال المكان، ومعالم الدهشة والتساؤل على وجهه ليسأل نفسه هل من بنى هذا المبنى كان على عِلم أن المكان سيكون مُجرد كُلية في جامعة، وكل الناس تمر عليه دون الأنتظار لوهلة لرؤية هذا الجمال، أم أنه كان فنان يرى الدنيا من خلال فنه؟

ليقطع شروده صوت شباب يصيحون باسم مكان، ليتضح أنهم نفس الشباب الذي كان قد قابلهم يتكلمون عن النشاط الطُلابي.

فذهب إليهم ليرى ما يحدث:

– ”ممكن أعرف إيه النشاط الطلابي ده وبتعملوا إيه“.

أحد الشباب:

– ”بص يا سيدي هقولك المُلخص أنت بتقدم على واحدة من الأقسام دي“.

يُشير الشاب على الأقسام المعروضة في ورقة الإعلان، وعن المكان الذي به كل التفاصيل:

– ”وتبقي عضو فيها و كلنا أعضاء في نفس المكان، بس مش نفس التفاصيل بتتعلم بقى حاجات متخصصة بالقسم اللي أنت دخلته، وبتطبق عملي كمان يعني بيخليك تجرب تشتغل على أرض الواقع زي ما هتعمل لما تتخرج، واهو بتاخد خبرة، تحب تقدم معانا؟“.

رد محمد:

– ”لا لا سيبني افكر أصلًا أنا مبحبش الزحمة والناس“.

أجابه الشاب سريعًا:

– ”يبقى لازم تقدم علشان تتعلم تعرف تتعامل مع الناس بسهولة أكتر، بص عامة خد الورقة دي وفكر وأنا مُتأكد أنك هتيجي تقدم معانا“.

عاد محمد في ذلك اليوم لبيته بعد انتهاء محاضراته، دخل المنزل ونسى الإعلان على منضدة في الصالة، دخل غرفته ليُبدل ملابسه، وجلس على مكتبه، تحسس بيده داخل حقيبته بحثًا عن الإعلان:

– ”الورقة؟! أنا حطيتها فين؟“.

– ”حلولًا لبدء العام الدراسي الجديد، تُعلن الأنشطة الطُلابية عن البدء بجيل جديد، كل ما عليك سوى التقديم لدينا“.

قاطعه صوت ندى حين دخلت الغرفة وهي تردد محتوى الورقة بصوت عالي، مد يديه واختلس منها الورقة:

– ”هاتي الورقة عمال أدور عليها، اِفتكرت إني نسيتها في الجامعة..“.

أجابته ندى في غضب:

– ”احنا هنبدأها كدا؟! من امتى بتخبي عليا حاجة؟ وإيه النشاط الطُلابي ده كمان“.

يُتبع …

3 thoughts on “محمد يوسف: ”لَكِنَ للقدر دور آخر“”

اترك تعليقاً