محمد يوسف: ”كتاب من الجحيم“

تَكاسلت تعابير وجهه وتَنَّهَدَ: ”شوف كتاب غيره أحسن، بس لو عايزه فمش هنختلف في السعر اللي تجيبه وخلاص“.

– ”طب ده اللي معايا عامة .. آها صح هو الكتاب اسمه إيه؟“

تغاضى البائع عن الرد والتف لعمله، لم يُعيره انتباهًا وكأن همًا واِنزاحَ. اِلتقطَ الكتاب من مخبئه، كان غُلافه من جلد أسود سميك وله رائحة نفاذة كالدم المُتجلط. بدت الحيرة ترسم بمعالِمها على وجهه ”كيف لكتاب ثمين أن يبقى مع رجل أبله لا يُقدر ثمنه؟“.

استحوذت الأفكار على عقله وهو في طريقه إلى المنزل. بينما كان على بُعد خطوات للحظة عَلت الصدمة وجهه، إِذْ بشخصٍ يُراقبه خلف العِمارة في ثيابٍ بالية. يعرف هذا الشخص جيدًا، ظن أنه يحلم وغارق في نومه! ترددت خطواته نحو الشخص، لمعت عيناه ولسانه يُردد بكلمات مُتفرقة:

– ”بابا!“.

تراجع الشخص تدريجيًا حتى اختفى، تقدم مُسرعًا خلف المبنى فلم يجد شئ. هل كان ذلك اضطراب ما بعد الصدمة أم أنه اشتاق لوالده! مرت أعوام على خبر وفاته الذي تلقاهُ في العمل، لكن ما أشبه اليوم بالبارحة. تَنَّهَدَ في حسرة بعدما أفاق من ذكرياته المؤلمة ومضى في طريقه.

لم يتجاوز الوقت مُنتصف الليل، بينما هو جالس على مكتبه وقت نومه أسفل إضاءة خافتة. يحتسي رشفات القهوة ببطئ وعينه على الكتاب، ولا مانع من خطف نظرات على صورة فيروز. فتح الصفحات الأولى بحذر فكان الورق مُتهالك قليلًا. تحتوي الورقة الأولى على اسم الكتاب – الكتاب الأسود – وأسفله عبارة ˮألعاب صنعتها الشياطين“، بحث عن هوية الكاتب ولم يعثُر على اسمه. وقعت عيناه على الأسطر الأولى – أنت علي بُعد دقائق معدودة تفصلك عن رؤية الموت، فتأهب لذلك؟- اِرتفع حاجبيه في سُخرية:

– ”تقريبًا أنا عرفت اسم الكاتب خلاص، عذرائيل!“.

هز رأسه وتَنَّهَدَ مازحًا، ثم انتقل للصفحة التي تليها واستكمل:

– ˮالأساطير تقول أننا نتعايش مع العالم الآخر، مُجرد سِتار يحجُب عالمك عنهم، حان الوقت لكي تُزيل السِتار وتذهب إليهم بنفسك، لَكِنَكَ لا تملك الأختيار إما العودة أو البقاء في هذا العالم“.

تنقل بين الأسطر وهو يقرأ سرًا من التعب:

– ˮهل تحرك شيء من تلقاء نفسه دون المساس به؟ مرت حرارة على وجهك؟ انقطعت الكهرباء وأنت في المرحاض وشعرت بهمس حولك؟ تحسست بقدمك في الظلام وإذا بشخصٍ يُراقبك؟ هل حقًا ذلك إزعاج من العالم الآخر أم أنه .. “.

انتهت الصفحة، فأنتقل سريعًا للصفحة التي تليها، تعلوها كلمة ˮالقرين“:

– ˮابن إبليس، رفيق الإنسان مُنذ فجر ولادته، لا يموت بموت رفيقه بل يستقر على قبره ليوم القيامة، لا تستطيع حرقه ولا يعيش بداخلك؛ إذا غار منك أغرق حياتك في الجحيم، وسيط للربط بينك وبين العالم الآخر لطالما وُجِدَ الستار“.

إلي الآن لم يُبالي بما هو مكتوب، حتى تسارعت دقات قلبه حين وقعت عينيه على آخر أسطُر الصفحة:

– ˮساعة الشيطان أو الثالثة بعد مُنتصف الليل .. تنتشر كائنات من العالم الآخر في المنازل لطالما عَم الصمت وسكنت البشر .. هذا وقتهم فلا تزعجهم، عالمهم داخل عالمنا ملئ بالقبائل والديانات فلا تستهين بهم لإنهم حولنا“.

بدأ الخوف ينتابه، لمح بعينيه أدوات وخطوات مكتوبة تعلوها عبارة:

– ”عليك بغلق الباب جيدًا فضيف الليلة غير مُرحب به“.

عاد بكُرسيه للخلف قليلًا بعدما قرأ الخطوات بعناية، فتح دُرج المكتب وأخرج ورقة وقلم ووضعهم بجوار الكتاب. نهض وتوجه للمطبخ ليُحضر باقي الأدوات أعواد ثقاب، شمعة، وملح خشن.

عاد لغرفته ليبدأ في طقوس اللعبة، كتب اسمه عالورقة وقَطر بسائل الشمع عليها ليُثبت الشمعة على الورقة وانتظر دقائق ليقترب مُنتصف الليل:

– ”معقولة صدقت الكلام الأهبل ده، حاسس إن حد بيتسلى وكتب كلمتين على ورق .. حتى الراجل معترضش عالفلوس اللي اديتهاله وكأن الكتاب ملوش قيمة“.

رددها وعينه فوق المكتب حيثُ ساعة الحائط، دقائق ويحل مُنتصف الليل، ظل جالسًا يسخر مما سيفعله. الأمر انتهى فعقارب الساعة علي بُعد دقيقة، نهض وخرج من الغرفة وهو يعد الثوانِ. أغلق إضاءة المنزل بالكامل، فتح باب منزله ووضع الورقة وعليها الشمعة أمام الباب، بدأ يطرق على الباب ثلاث مرات، بحيثُ يجعل الأخيرة مع دقة عقرب الساعة إعلانًا بحلول مُنتصف الليل. تم الأمر بالفعل، دخل المنزل وأضاء النور قائلًا:

– ”محصلش حاجة يعني، زي ما قولت مُجرد كلام مكتوب على ورق“.

أغلق الباب تاركًا الأدوات بالخارج، اتجه للمطبخ ليُعد فنجان آخر من القهوة. لقد عزم على تكملة الكتاب، فالغد يوم العطلة الذي يقضيه مع عائلته. هذا الوقت المُناسب لإنهاء الكتاب مع جُرعات متواصلة من مشروب القهوة تُساعده على السهر.

أخذ قهوته وتوجه للغرفة، حين اقترب من المكتب تمايل بوجهه يسارًا حيثُ لمح ببصره في نهاية الورقة – يُتبع – اتسعت حدقة عيناه:

– ”يُتبع! هو لسه فيه تكملة ولا إيه“.

أدرك حينها أن التجربة لم تُكتمل، وضع قهوته جانبًا، ليُقلب الصفحة وإذا بتحذير:

– ”لا تستخدم سوى ضوء الشمعة حتى حلول الـ 3:00 بعد مُنتصف الليل ومن ثُم يرحل عن منزلك“.

كان يقرأها وعلى وجهه علامات الخوف، استكمل بصوت خافت:

– ”هو الآن داخل البـ..“

انقطع الضوء فجأة، في حين قفز من مكانه في فزع، وزفر بقوة لِما أصابه من الرعب. تحسس بيديه فوق المكتب بحثًا عن هاتفه:

– ”كِملت مهو ده اللي كان ناقصني النور يقطع واسيب التليفون بره في الضلمة“.

نهض بينما تتسارع دقات قلبه، يتحسس بيديه على الحائط ويتحرك بهدوء في الظلام، يلتقط أنفاسه بصعوبة من الخوف، بينما اقترب من الصالة سكن للحظة فما شاهده كفيل لتجمُد الدم في عروقه!

بالرغم من الظلام كان انعكاس ضوء القمر كافي لمعرفة هوية الزائر، وجد شخص يقف قُرب النافذة وتظهر بعض ملامحه، اقترب منه في هدوء ظنًا بأنه لص، قاطعَ الصمت صوت هاتفه فجأة.

التف لصوت هاتفه ثم نظر جهة النافذة مجددًا فلم يجد الشخص، اِعتقد أن ذلك تأثير عدم النوم، ذهب ليلتقط هاتفه .. الهاتف يرن لكنه غير مُضئ وكلما اقترب منه ابتعد الصوت.

فتح عينيه ليجد رأسه على الكتاب وإضاءة الشمس قد سكنت أرجاء الغرفة، رفع رأسه ونظر يمينًا ويسارًا:

– ”معقولة كل اللي حصل ده كان حلم!“.

لازال الصوت في عقله، كان هاتفه يرن بالفعل، اِلتقطَ هاتفه:

– ”أنت فين يابني لغاية دلوقتي، الساعة بقت عشرة“.

– ”الناس بتقول صباح الخير الأول يا ندى“.

– ”صباح الخير يا سيدي، يلا بقى تعالى عشان أعرف اتكلم معاك مش زي المرة اللي فاتت“.

أغلق هاتفه ليرى الكتاب أمامه مفتوح على صفحة مكتوب بها – لقاء الموتى –:

– ”الكتاب مطلعش حلم!“.

نهض وارتدى ملابسه، أنهى قهوته، ومضى ليخرج. فتح باب المنزل وإِذْ قدمه تصطدم بشئ؛ جلس القرفصاء واِلتقطَ بيده ما بالأرض:

– ”الورقة والشمعة موجودين .. أنا عملت التجربة مكُنتش بحلم فعلًا!“.

توالت أسئلة كثيرة على عقله، الشخص الذي وجده أمس خلف المبنى؟ التجربة؟ الزائر الذي كان بصالة منزله؟ ما الحقيقة وما الحلم؟. تظاهر وكأن شئ لم يحدث، فهو لا يريد أن تنطبع على وجهه تساؤلات؛ حتمًا ستعرف ندى ما به لمُجرد رؤيته.

لم يكن كعادته ذلك اليوم، استقبل أخته بعناق جاف، ابتسامة مُزيفة طيلة اليوم. حديث أخته الذي يهون عليه تعب الأسبوع كان قليلًا. لم يريد أن يُخبر أحد حتى ندى بتلك الليلة المُبهمة، ولا يُفضل أن يبقى صامت، لذلك أنهي يومه مبكرًا:

– ”أنا لازم أمشي عشان أنا منمتش امبارح كويس“.

– الأم: ”لسه بدري يابني أنت لحقت“.

– ندى: ”أنت كل مرة تهرب كدا“.

أصر على الرحيل بالرغم من إلحاح ندى لبقاؤه والمبيت عندهم، فما تبقى من عطلته سيقضيه مع الكتاب. رحل والحزن على وجوههم فهم على موعد معه بعد أسبوع آخر كالعادة، لكنه اعتاد على نظراتهم عقب انتهاء ذلك اليوم.

أتى الليل وهو داخل منزله، جالس على مكتبه يديه متشابكتين ومُنحني بظهره جهة المكتب. كان الكتاب مثلما تركه في الصباح مفتوح:

– ”لِقاء الموتى والبُعد الآخر!“.

رددها بعدما قرأ عن البُعد الآخر واحتمالية وجود حياة في عالم آخر بعد الموت، ذلك سيتم بأدوات وخطوات نهض ليُحضرها.

أخلى غرفة غير ممتلئة في منزله وأزال المصابيح. أحضر الشمع وشكل به نجمة خماسية، مركز النجمة يحتوي علي كُرسيان متقابلان أحدهما له والأخر وضع عليه مرآه. اِرتدى ملابس كانت لوالده وجلس على الكُرسي وأغمض عينيه. بدأ يتذكر مواقف تجمعه بوالده ويسأل بصوت خافت، لكنه لم يصمد حين شعر بحركة حوله، ليفتح عينيه سريعًا وإذا بإنعكاس لشخص على المرآة، التف سريعًا ولم يجد أحد.

خرج مهرولًا من الغرفة، تدارك الأمر ليست تراهات مكتوبة على ورق وبدأ الأمر يسير ضد تفسيراته، لم يعلم سر الكتاب وأنه لعنة ستحل عليه. اتجه لغرفته سريعًا، أخذ الكتاب ومضى لباب شقته وقذف به في صندوق قمامة متواجد أمام شقته:

– ”المفروض مكنتش اشتريت حاجة مجهولة بسبب فضولي المريض“.

أغلق باب منزله وذهب لغرفته، اِلتقطَ هاتفه ليضبطه على وقت العمل:

– ”الساعة 12 .. أنا قضيت خمس ساعات في الأوضه!“.

عاد مجددًا للغرفة التي أدى بها التجربة وأزال ما قام به، أغلقها بإحكام بعدما انتهى ثم توجه لغرفته، ذهب لفراشه ووضع نضارته على منضدة بجانبه. توالت الأفكار على عقله مجددًا في حين تثاقلت عينيه تدريجيًا من الأرق وبدأ يشعر بالنعاس حتى ذهب في النوم.

كانت الثالثة بعد مُنتصف الليل في حين توقفت عقارب الساعة عن التحرك. استيقظ من نومه على صوت حركة عند باب غرفته. فتح عينيه في الظلام ليجد شخص يقف عند باب غرفته. مكث في فراشه لا يُحرك ساكنًا من الخوف، كلمات مُتفرقة تكاد تخرج من فمه؛ يأمل الصراخ لكنه يخشى مصيره.

ظل الرجل عند باب غرفته لا يتحرك، الليل يُغطي بظلاله أرجاء الغُرفة، لَكِنَ ما زار الغُرفة من انعكاس ضوء القمر؛ كفيل لمعرفة أن الرجل ينظر جهته. بضع دقائق والتف الرجل جهة صالة المنزل وتحرك بهدوء.

مد محمد يده حيثُ منضدة بجانبه ليلتقط نضارته، في حين نهض من فراشه فزعًا:

– ”الكتاب ده جه هنا إزاي، أنا متأكد أني رميته!“.

اقترب من الكتاب في حين يختلس بنظراته على الباب، وجد الكتاب مفتوحًا على صفحة تتوسطها عبارة ”أصبحت داخل عالمهم الآن“. بدأ يتراجع وساقه ترتجف من الخوف، حاول إضاءة المصباح لكنه لا يعمل أو أن الكهرباء انقطعت في تلك الليلة المشؤومة. يأمل أن يصدُر صوت هاتفه ليسحبه من هذا الكابوس اللعين، لكن لا جدوى من الاِنتظار. قرر الرحيل وعدم البقاء في المنزل، اِلتقطَ نضاراته وخرج ببطئ من غرفته.

بدى أنه قطع أمتار كثيرة ولم يصل لباب شقته، وحين قرر العودة لغرفته وجد أن طريق العودة ليس له نهاية؛ وعندما تحسس على الحائط بيديه لم يجده وكأنه خرج من غرفته لصحراء خالية في حين شعر برمال تتحرك أسفل قدميه.

يتحسس بقدميه العاريتين في الظلام، ليخطو خطواته في هدوء، مُحاط بأصوات خافتة تزعجه، وأعين تراقبه من كل زاوية في غضب، يلتقط أنفاسه بصعوبة، ويرتجف خوفًا من مصيره. لقد رأى ما يحدث له الآن مُسبقًا فلم يشغل عقله سوى ذلك الكابوس وأنه مجرد حلم، لكن لمتى سيبقى غارق في نومه ومن سيسحبه من هذا العناء؛ طِوال حياته ظل يهرب من النوم للفرار من أحلامه.

فدومًا المفر الوحيد هو صوت يقطع تلك المسرحية التي يرسمها عقله أثناء النوم والمُبهم كان التحول من الحِلم للحقيقة. أما عن القدر فلا فرار منه فقد دَوَنَ في سطور ذلك المشهد. تكرار حلم ليس صدفة ولا تراهات أعادها عقله الباطن. كان عليه التدارك أنه تنبيه لكنه تعايش مع ذلك وبدأ القدر يبوح بأسراره تدريجيًا ليلقي به في الجحيم بسبب فضول قاد عقله لرحلة لا رجعة منها. إما أن يبحث عن مفر أو يبقى في هذا العالم ويلقى حتفه ..

لكنها ليست النهاية المحتومة كما توقع فالقدر دَوَنَ المشهد كاملًا بما فيه عودته من الموت ليعود من جديد..

…..

-”محمد .. في بنت جايه تعزيك في والدتك“.

تلك الكلمات صدرت في صوت خافت يشوبه الحزن، بعدما طُرِقَ الباب وأتت من خلفه ندى وهي تقول تلك الكلمات، ليقطع ذلك شروده في كتابة مذكراته وعن تكملة ما ينثره على ورق أمامه..

أجاب دون أن يحيل نظره عن الورق:

-”مقالتش مين“.

أجابت ندى في تردد:

-”فيروز .. بتقول اسمها فيروز“.

اِنزلق القلم من يديه، واتسعت حدقتا عينيه:

-”حاضر .. أنا جاي وراكي“.

رمقها بعين لامعة حين خرجت وأشفق عليها فعيناها جفت من كثرة الدموع وتدهورت حالتها منذ رحيل والدته، اِلتف واستكمل كلماته الآخيرة بقلمه على الورق:

ˮنعم تلك لم تكن نهايتي كما توقعت، فالقدر دَوَنَ المشهد كاملًا بما فيه العودة من الموت .. فأنا من أروي الآن، وتلك الكلمات التي نثرتها أنا – محمد يوسف – عِشتها لحظة بلحظة .. لم أعد كالسابق أو إن أصح التعبير شخص آخر من هذا العالم بداخلي يتحكم بي .. بحثت عن نجاتي من العالم الآخر لكني لم أهرب من قدري، فقد نثر القدر في سطور عودتي من الموت كما نثر وقوعي في الجحيم، لكن والدتي لم يكن لها مفر من الموت .. عَلِمت أن حياتنا أشبه بمسرحية وكل منا له دور ولكن الدور الأكبر هو القدر الذي يُدَون أحداثها.. وتلك الثغرات والفجوات الزمنية ليست لعبتنا بل – لعبة القدر – “ ..

أنهى كتابته .. ثم عاد بظهره للخلف ليفتح دُرج المكتب ويضع الورق .. تمايل برأسه وارتسمت بسمة مُخيفة على وجهه حين وقعت عيناه على ”الكتاب الأسود“..

– النهاية –

اترك تعليقاً