محمد يوسف: ”فجوة بين الماضي والحاضر“

يبحث عن مصدر إنارة حوله، يلهث من الخوف ويسير على أنامله، يسقط ثم ينهض ويستكمل فراره فلا مجال للسكون، يزداد الهمس حوله فيكاد ينفجر رأسه فتلك أصوات من الجحيم، تارة يشعر بحرارة عابرة على وجهه، وتارة بأطراف باردة تتحسس جسده، يسير في طريق لا نهاية له. يأتيه صوت إنذار من بعيد – صوت هاتفه يرن – ليكون طوق النجاة، أو فجوة بين الحقيقة والحِلم ليسحبه من الجحيم ويوقظه من كابوسه المُعتاد.

كان الوقت لم يتجاوز العاشرة صباحًا، نهض من فراشه واِلتقطَ هاتفه بعين شبه مُغلقة، وإذا بفتاة من الطرف الآخر:

– ”صباح الخير، بشمهندس محمد يوسف؟“.

– ”ايوا أنا اتفضلي“.

– ”حضرتك بعت cv من أسبوع وبكلمك عشان أحدد معاد المُقابلة معاك هيكون النهاردة الساعة واحدة الظهر…“.

ظلت تتحدث من الطرف الآخر، وهو لا ينتظر سوى اللحظة التي تُنهي المُكالمة ليقفز من فراشه فرحًا ويحتفل مع أسرته، اللحظة التي انتظرها طِوال فترة دراسته أتت أخيرًا.

نهض من مكانه نحو الخزانة، أخرج ملابسه الرسمية ليُلقي بها على فراشه ثُم ذهب ليستحم. أمامه وقت لَكِنَ الحماس يدفع به في سباق مع الزمن، في حين يصطدم بندى حين خروجه من الغرفة، بدت مُتسائلة في لهفة:

– ”الناس بتقول صباح الخير مالك بتجري ليه كدا“.

مرت ندى على غرفته بعدما تجاهلها مُهرولًا، لمحت بطرف عينيها زي أخيها الرسمي، لتُهرول هي الأُخرى جهة والدتها في الشُرفة:

– ”ماما الحقي، محمد شكله اتقبل في الوظيفة بتاعته“.

– ”بجد يا ندى هو فين نباركله طيب“.

– ”بيحضر نفسه يا ماما أنا هعمله قهوة عقبال ما يخلص بقى“.

عاد محمد لغرفته وبدأ يرتدي رويدًا رويدًا، لحين وصلت أخته على صوت انزعاجه من ربطة عنقه، اقتربت أخته لتهدئة الوضع وبدأت تربطها له وهي تقول:

– ”ماما عايزاك في البلكونة برا، وأنا هطلعلك القهوة تشربها معاها“.

اِلتقطَ حزائه اللامع وخرج إلى الشُرفة لتستقبله والدته في فرح:

– ”ألف مبروك يابني عقبال أول ترقية يارب“.

التف محمد جهة أخته، التي كانت تأتي وبيديها القهوة وقد عَلت البسمة وجهها:

– ”متعرفيش تستني أبدًا يا ندى كنت أقولهم أنا بنفسي وأفرحهم“.

لم يُكمِل قهوته حتى نهض وخرج، لا زال الوقت مُبكرًا لكنه قرر أن يُزيل التوتر بالسير قليلًا، سار مُبتعدًا عن المنزل تحت أنظار أخته وصوت دعوات أمه. وصل لنهاية شارعه وصعد للحافلة ثم جلس لينعزل في لحظة عن العالم الذي حوله.

”ماذا لو الجميع على عِلم بأحداث الغد بسبب فجوة بين الماضي والحاضر“. سيقل التوتر أو تزداد الرهبة، فإما أن يتعجل بمصيره أو يستبعده لمُجرد أنه غير مألوف له. لكن المُميز أننا لا نعلم الغيب، فصدمة الأحداث أفضل من انتظارها وأنت على عِلم بها. ماذا سيكون شعوره لو علم منذ رؤيته لتلك الشركة أنه سيعمل بها، بالطبع لكان لا يُبالى ولا انتابه لهفة الانتظار فهو بالفعل استخدم ألة السفر عبر الزمن ورأى نفسه جالس على مكتبه فلما التمني لطالما تحقق ذلك مُستقبلًا.

صدمة الأحداث هي تلك الفجوة، بينما أنت في المُنتصف إما البقاء في الماضي لعدم رضاك عن الحاضر أو التقدم إلى الحاضر لعدم مُبالاتك عن ما سيحدث في الماضي بعد. لكن ثغرات الزمن وحدها تكفي للتأقلم مع سير الحياة. نعم تلك الثغرات هي أقدارنا التي لم نُحددها بعد.

أفاق من تفكيره حين رأى مكان عمله الجديد، نهض ونزل من الحافلة وأخذ يُحملق ببصره كما يفعل حين عودته من الجامعة سابقًا، ليست نظرات طالب لأنه الآن على وشك العمل بها.

كان الهدوء يسكن المكان فهو أتى مُبكرًا لم يمكث للحظة على مقاعد الانتظار، فأتت فتاة لتصطحبه إلى مكتب المدير. استقبله المدير بابتسامة ترحاب أزالت تلال من التوتر، ثم أشار له بأن يجلس. لم يتفوه بكلمات حتى أخبره بأنه سيكون من فريق العمل فهو عَلِمَ من سيرته الذاتية أن لديه خبرة كافية في مجال الشبكات وسيعمل مهندس إتصالات لديهم. أنهى المقابلة سريعًا وذهب مع الفتاة إلى مكتبه الجديد.

لم يكن اليوم الأول حافلًا بالعمل حتى أن الملل قد أصابه حتى نهاية اليوم. رحل ومضى للبيت وإِذْ كان على مقربة من المنزل لمح أخته في الشُرفة فارتسمت البسمة على وجهه يعلم أنها تنتظر الأخبار، هرولت ندى جهة الباب سريعًا.

– ”بتجري كدا ليه يا بنتي“.   

– ”محمد جه يا ماما“.

– ”طب اهدي تلاقيه تعبان من الشغل“.

فتحت الباب وظلت تنتظر حتى ظهر أمامها، أخذت تحتسي ما بين يديها من القهوة وهي تنظر له وعلى وجهها ابتسامة تنتظر ما سيأتي منه من أخبار. ذهبا سويًا للشُرفة وأخذ يُحدثها عن اليوم وعن مدى سعادته بترحاب المُدير بينما هي تقاطعه في كلمات مُتفرقة:

– ”بصراحة شكلك الصبح كأنك رايح تُخطب، هو أنت لسه بتحب فير… “.

– ”ندى ده كان موضوع وخلص وقتها أيام الجامعة متندمنيش اني حكتلك وبعدين أنا مشوفتهاش تاني“.

ثم أنهى الحديث:

– ”محدش بيختار قدره يا ندى“.

تمر الأيام والشهور لَكِنَ القدر قد دون في كتابه تلك اللحظة التي لم يتمنى أن تأتي، ولو علم بها لتراجع عند تلك الفجوة وأعاد الماضي من جديد وكلما يقترب من اللحظة يُعيد من جديد حتى لا يعيشها، لكن أينَ المَفَرّ؟

استيقظ يومها من نومه، نهض من فراشه ليُحضر قهوته ويجلس في الشُرفة قليلًا فاليوم عطلته وهو سيمضيه وحيدًا فندى لديها العديد من المُناقشات في كُليتها. لا يعلم كيف تجد الوقت للحديث معه وهي في السنوات الأولى في كُلية الطب، فلا زالت تُخصص من وقتها له للحديث بالرغم من انشغالها المُفرط بدراستها.

يمر الوقت سريعًا وبدى عليه الملل، نهض من كُرسيه وقرر أن ينزل ليسير في ضواحي العجوزة حتى يشغل وقته. اِرتدى ملابسه ومضى في طريقه، تارة يسير على الكورنيش وتارة يلف في الشوارع والحارات بلا سبب آملًا أن يحل الليل عليه ويجلس مع ندى قليلًا.

 كلما تمر الدقائق كلما يبوح الزمن بثغراته ويمحي القدر السطور التي ارتسمت كمشهد في الحقيقة. يسير وحيدًا في الليل لكن في لحظة ما عَلت الصدمة وجهه، وتدفق الدم في عروقه ودق قلبه كأجراس الشوفار، تباطأت خطواته ليسكن كما كان يفعل حين كان يراها في الكُلية، بدأ فمه ينطق بكلمات مُتفرقة:

– ”فير .. فيروز“.

يُتبع…

1 thought on “محمد يوسف: ”فجوة بين الماضي والحاضر“”

اترك تعليقاً