محمد يوسف: ”شيء من الخوف“

هو بس أنا خايف مش أكتر.

أنهى محمد جملته وغرق في عقله للحظات دامت شهورًا بالنسبة له، أو أعوامًا إذا وجبت الدقة، لقد عاش في الخوف طيلة حياته، ولا يمكنه أن يتذكر حاله حين كان يجب أن يأخذ قرارًا مهمًا في حياته ولا يتذكر كيف كان مرعوبًا ويفكر في كل الأحداث السيئة التي يمكن أن تحدث له.

يا عم بطل خوف بقى وروح كلمها، مش أنت بتحبها؟.

أنهى صديقه الجملة وهنا صمت محمد تمامًا ليفكر في حقيقة مشاعره تجاه فيروز، تذكر حين رآها في أول مرة في الكلية حين كانت تطلب قهوتها من المقهى وتطلب من الرجل أن يعدها بطريقة معينة، كيف أنه تجمد مكانه للحظات ينظر إلى شفتيها وهي تتحدث، ويتمنى أن يتذوق تلك القهوة معها.. وحين نظرت إليه تحرك من مكانه سريعًا ليهرب إلى أي مكان.

تذكر حين رآها تضحك لأول مرة وكيف أنه شعر أن هناك ملاكًا نسى أنه ينتمي إلى السماء وجلس هنا على الأرض ليستمع إلى الأحاديث ويضحك، وكيف شعر في تلك اللحظة بالتحديد أنه يريد أن ينتمي لها ولكن أصابه اليقين بسهم في قلبه أنه لا يمكنه أبدًا أن ينتمي لها.

كيف قضى ليلته يفكر أن ابتسامتها ساحرة وأنه أكثر أهل الأرض إصابة بهذا السحر، ورغم هذا.. رغم أنها تجلس مترًا بجانبه إلا أن المسافة بينهما قد تقارب المسافات بين النجوم وبعضها.

أيوة بحبها، بس الموضوع صعب، هي مش بتحبني“.

يابني هو أنت كلمتها؟“.

لأ، أنا عارف انها مش بتحبني.

طب كلمها بس، روح قولها مش هتخسر حاجة.

ما هي ممكن ترفضني وشكلي هيبقى وحش.

مش نهاية الدنيا يا حبيبي، خد بس الخطوة دي عشان لو قالت لأ الموضوع يخلص، وصدقني عارف أن الدنيا بعده هتبقى صعبة، زي أي رفض يعني.. بس هيعدي وهتبقى كويس صدقني.

في تلك الليلة أخذ محمد حبتين من دواء الشجاعة، تتمثلان في فيلم رومانسي يحبه، عدة أغاني لعمرو دياب وحماقي، وكوب من الشاي بحليب الدافيء، وغاص أسفل بطانيته يفكر في خطته للاعتراف بحبه لفيروز..

للمرة الأولى في حياته قرر أن لا ينتظر طويلاً قبل أن يقوم بتلك الخطوة، لن يترك الأيام تمر أمامه دون أن يتحرك خطوة تجاهها، وقرر رغم خوفه أن يعترف لها بحبه في اليوم التالي، حين تذهب إلى المقهى بين المحاضرات.. حضر خطابًا كاملًا عن شعوره ناحيتها، كيف يشعر حين يراها كل يوم وتلوح له من بعيد لأنه زميلها في الكلية، حين يراها تضحك، حين يراها عابسة، حين يحرك عينيه لينظر إليها خلسة في المحاضرات.

سيخبرها أنه يتذكر هواياتها المفضلة، وأفلامها المفضلة، والأغاني التي تحب أن تسمعها حين تغادر منزلها كل صباح، أو حتى وهي ترتب غرفتها في المساء، وكيف أنه يتذكر كل هذا من كلامها حين تجلس مع مجموعة الأصدقاء الكبيرة التي ينتميان إليها..

وهذا ما كان، ففي اليوم التالي بعد المحاضرة الأولى وعندما كانت فيروز تسير بمفردها في اتجاه المقهى اتجه ناحيتها ووقف أمامها وابتسم فابتسمت له، وحينها نسى كل ما أراد أن يقوله، فتردد قليلًا ولكنه تذكر أنه فقط عليه أن يقول الحقيقة، فقالها..

هاي، صباح الخير، أو يعني مساء الخير.. مش عارف انتِ كويسة صح؟ شكلك كويسة، أنا بس عايز أقولك حاجة.. شكلك حلو أوي النهاردة.. مش النهاردة بس، هو شكلك حلو كل يوم الحقيقة، هو الجو حر؟ أنا حاسس أنه حر، حاسس كمان بحاجات كتير الحقيقة، زي مثلاً أن السنة عدت بسرعة، الإمتحانات قربت، محستش بيها.. بس مش ده اللي كنت عايز أقوله.. اللي عايز أقوله هو.. بصراحة.. مش عارف.. أنا بحاول أقول أن...

– “يابني اخلص قول.
قالتها فيروز ضاحكة فتشجع محمد قليلًا ثم قال..

بصي هو أنا بالنسبالي في حاجات كتير أوي بايظة، في حاجات كتير في الكوكب مش كويسة ومش صح ومش عجباني، يعني مثلاً الإحتباس الحراري، دي مشكلة كبيرة، بس انتي مشكلة أكبر، مش قصدي مشكلة بمعنى مشكلة يعني.. بصي هو أنا أقصد أقول أن أنا بنسى كل المشاكل دي لما ببصلك، لما بتبقي موجودة قدامي.. ومش بفكر في أي حاجة غير فيكي، في ضحكتك، في عنيكي، في إنك مثلًا أكتر إنسانة حلوة شفتها في حياتي، مش في الشكل بس، في الشخصية كمان..

…يعني بجد انتي متكاملة، وأنا بحس معاكي أن الحياة اللي كانت قبل ما أشوفك بلحظات وحشة ومقرفة ومش عايز أعيش فيها.. بحس دلوقتي إنها كويسة، وإن مفيش حاجة ممكن تخلي الحياة أحسن دلوقتي.. إلا يعني حاجة واحدة، هو إنك تبقي معايا.. وتشاركيني كل حاجة، يعني مثلاً الأغاني.. نسمعها، نرقص عليها.. أنا اتعلمت الرقص عشانك على فكرة.. الأفلام، نشوفها سوا.. في السينما أو حتى وكل واحد في بيته.. نتكلم كتير، كل يوم، من أول ما نصحى لحد ما ننام.. نسافر سوا، نشتغل سوا، ونلعب سوا بلاي ستيشن مثلاً أو كوتشينه.. نكبر سوا.. أنا عايز اسمي واسمك يبقوا في جملة واحدة على طول، محمد وفيروز.. محدش فينا يبقى لوحده...

أفاقت فيروز من الجمود الذي أصابها لوهلة فقالت..

محمد، أنت بتحبـ..“.

فقاطعها محمد قائلًا..

أنا بحبك.

قالت:

إحنا صحاب.

يُتبع…

اترك تعليقاً