محمد يوسف: ”الغالب بين الأحلام والقدر“

– ”شباب ناقص خمس دقايق على نهاية الوقت، ياريت كل اللي مسجلش رغبته يسجلها، علمي علوم أو علمي رياضة“.

هذه العبارة هي العبارة الوحيدة التي كانت تتردد على أذان محمد في ذلك الوقت، حين قدمت إليهم مشرفة اللجنة ورقة الرغبات، فهل هذه ستكون نهاية الحلم الجميل الذي لطالما كان يحلم به؟!

– ”يا ترى هكتب إيه؟! هكتب علمي علوم وأخليني ورا حلمي اللي كنت بحلم بيه؟ ولا هكتب علمي رياضة علشان أرضي والدي، اللي حتى مفكرش ياخد رأيي لما قرر إني لازم أدخلها؟“.

لم يكن أمامه أي فرصة للتفكير، فقط كتابة الرغبة وتسليم الورقة في الحال، هنا قرر أن يستغنى عن حلمِه وهدفه من أجل أحلام من يُحب.

فهذا الحلم كان أول أحلامه تحطُمًا، ولكن زال هذا التحطُم شيئًا فشئ، فبعد عامٍ من كتابة الرغبات، وبالتحديد في يوم إستلامه لنتيجة التنسيق، توقف الزمن بدخوله حاسبات.

– ”بالرغم إنه مش حلمي، وبالرغم أن أصلًا حلمي إتحطم من بدري، بس أنا ولأول مرة مبسوط، مبسوط إني مدخلتش هندسة لمجرد إن والدي عايز ده، مبسوط إني ولأول مرة همشي طريقي بنفسي“.

وهنا سنعود بالزمن مرة أخرى إلى ما قبل ثلاث سنوات من حياته، وبالتحديد في المرحلة النهائية من المرحلة الإعدادية، فها هو جالسًا في شرفة منزله كالعادة، شاردًا في أفكاره وأحلامه، فبات يُحدِث نفسه عن الأحلام التي يرسمها عقله ويتمناها قلبه.

– ”الأحلام كتير، بس يا ترى هقدر أحققها؟! هقدر أوصل لإني أخش علمي علوم، وأخش منها على الكلية اللي بتمناها ”كُلية عُلوم“؟ هقدر أستقر قدام ويبقى عندي حياة شخصية مستقرة؟ طب هقدر أشتغل في شركة كبيرة وأعمل لنفسي اسم كبير؟“.

تساؤلات كثيرة كان يطرحها على نفسه، فكل هذه الأحلام كانت بمثابة أهداف محددة يسعى لتحقيقها والوصول إليها، وبعد أن استغنى عن أحد تلك الأحلام، جاء القدر ليكون ناصفًا، فلقد أخذه القدر إلى دربٍ غير دربِه، ومكانٍ غير مكانِه، ولكن لمكانٍ جديد سيسير طريقه بمفرده دون تدخل من أحد.

كانت بداية هذا الطريق الجديد غير مُبشرة، فلم يجد صديقًا له يسانده في ذلك الطريق ويصل معه إلى طريق أحلامه وحياته القادمة، حتى أشرقت شمس القدر مرة أخرى، وبالأخص في اليوم الذي تعرف فيه على هذه الفتاة، التي أصبحت زميلته المُقربة، لم يربطهم علاقة حُب، ولكن علاقة أصدقاء قرروا أن يتشاركوا هذا الطريق سويًا حتى ينتهوا من دراستهم وحياتهم الجامعية.

– ”بداية كويسة لطريق جديد، صحيح هي متأخرة، وصحيح أنا بحب أكون لوحدي بس بوجودها حسيت أن بقى ليا حد يشاركني لغبطة الدراسة الكتيرة دي، وزحمة الطريق الجديد ده“.

ولكن كعادة البدايات، فإنها تبدو سعيدة ومُبشرة، ثم تبدأ تدريجيًا في الغموض إلى أن تصبح الحياة مُظلمة على صاحبها، فقد تبدل الحال بها، وأصبحت منطوية، تُفضل الوجود وحيدة في الجامعة عن أن تشاركه اليوم الجامعي كعادتهم.

لم يكن يشعر سوى بأنها لم تعد تريده في حياتها كصديق مُقرب لها، فقرر الإبتعاد والعودة لحياته الإنطوائية من جديد، ولكن هذه المرة كانت تنتظره إنطوائيته لتؤدي به إلي طريق مُظلم من الإضطرابات النفسية، فلقد مر بفترة من الإكتئاب الذي بحكم وحدته تملك من قلبه وعقله، فأفقده عامًا من حياته، فلم يذهب محمد للإمتحانات في هذا العام.

بات يبتعد عن أحلامه يومًا فيوم، حتى وعلى الرغم من عودته مرة أخرى لجامعته في العام التالي إلا أنه كان مُنطفئًا وفاقد لذلك الشغف، فبات بعيد عن تلك الأحلام، بات بعيد عن مرور المرحلة الجامعيه نفسها، وهنا جاءت الدُفعة الجديدة، وجاء القدر من جديد ليلعب لعبته، فلقد لمحت عيناه صديقته المُقربة ”يُسر“ وهو في محاضراته بالجامعة.

– ”محمد، طب إزاي؟! إنت عِدت السنة أنت كمان؟!“.

رد عليها في دهشة:

– ”أنا كمان؟ هو أنتِ؟“.

قاطعته يُسر قائلة:

– ”آه عِدتها، أنا مريت بمرحلة صعبة بجد، المرحلة دي قضت على كل الأحلام اللي كنت بحلم بيها، أسفة إني كنت بعيدة ولوحدي، كنت بايخة مش كدا؟ بس أنا كان عندي مشاكل كتير أوي في حياتي وإتضاف عليهم تعب والدتي اللي بسببه معرفتش أدخل إمتحانات السنة اللي فاتت“.

ابتسمت يُسر وأردفت حديثها:

– ”بس عارف أنا مبسوطة إنك موجود معايا ومش هكمل الطريق لوحدي“.

ما أشبه اليوم بالبارحة حقًا، فالقدر ينصفه مرة أخرى، وخاصة بعد أن أكتشف بأن هذا العام الضائع من حياته سببًا في حصوله على إعفاء من إتمام الخدمة العسكرية، فتأخره عامًا كان كافيًا لإتمام والده سن الستين، فيحصل على معافاته كعائِل لأسرته.

القدر جعله يستطيع التقدم إلى وظيفة لإكمال أحلامه، فهل بات جاهزًا بأن يُقبل في هذه الوظيفة، وخاصة بعد ما أعد به نفسه خلال المرحلة الجامعية، انتهى الأمر فقد أنهى سيرته الذاتية التي أعدها للشركة التي تمنى العمل بها طِوال فترة الجامعة، لا عليه سوى الأنتظار لتحقق ذلك.

يُتبع…

اترك تعليقاً