محمد يوسف: ”الصُدف قد تكون جميلة“

– ”أخبي عليكي إيه هو أنا لحقت ما أنتِ عرفتي خلاص“.

– ندى: ”ايوا برضو إيه هو النشاط ده“.

– محمد: ”بيتعلموا حاجات جديدة غير الدراسة وكدا يعني“.

– ندى: ”حلو أوي، طب قدمت يعني؟“.

– محمد: ”ما أنتِ عارفة أنا خجول وانطوائى قد إيه، ومبعرفش أتعامل مع الناس فمُتردد ومقدمتش لسه“.

– ندى: ”طب متجرب إيه المشكلة؟ ثانية واحدة ما أنت لما تقدم فى حاجة زي كده، هيحللك مشكلتك ما أنت هتتعامل مع ناس كتير وقتها“.

– محمد: ”هشوف الموضوع ده بعدين“.

اِرتفع حاجبي ندى فهي تعرف أخاها، وقالت في حِدة:

– ”لا أنت تاخد اللاب وتسبقني عالبلكونة وأنا هعملك قهوة، ونشوف الموضوع ده مع بعض“.

نهض من مكتبه وذهب بجوار ندى، اتجه جهة الشُرفة وذهبت هي لتعد له القهوة، جلس ليُشاور عقله مُجددًا وردد الإعلان في عقله مئات المرات.

فتح حاسوبه وقام بتسجيل بياناته، وتلقى رسالة على البريد الإلكتروني بميعاد المُقابلة الشخصية، قاطع انشغاله صوت ندى:

– ”مش قولتلك استنى، وريني وصلت لإيه“.

وضعت ندى القهوة حيثُ منضدة مُقابلة له، أخذت الكُرسي وجلست بجوارِه وبدأت تُراقب ما يفعله وتقرأ ما أمامها بصوت خافت، في حين تُراقب تردده، انتهى من الحاسوب وتشابكت يداه:

– ”حددولي المعاد عشان المُقابلة خلاص“.

– ”طب كويس متقلقش إن شاء الله هتتقبل“.

احتسى محمد قهوته ونهض فما يشغل عقله سوى الدراسة والمُحاضرات، فقد بدأ شهر 12 وامتحانات نهاية النصف الأول من سنته الأولى على وشك البدء.

تمر الأيام ويقترب وقت المُقابلة، ذلك يُشكل اضطراب عليه، لكن أينَ المَفَرّ؟.

أتى اليوم وذهب محمد إلى مكان المقابلة، طلب منه أحدهم أن ينتظر قليلًا لحين مجئ دوره، بدأ ينظر حوله حيثُ فريق العمل والمتطوعين للأنضمام، لكن ما شَغل تفكيره عندما وجد الحركة ازدادت وعَم الضجيج، ذكرى وقت تقديم أوراق الكُلية.

كان تائِه وقت التسجيل بالكُلية لم يعرف ماذا يفعل! ثم ظهر شخص وقتها في زي يُشبه زي مجموعة الطلبة التي أعطت له الإعلان ليساعده في التقديم دون أن يعرفه، يقول له ماذا يكتب في الأوراق، أين يذهب، وماذا يفعل؟ ثم أخبره هذا الشخص بحدث يُعرفه أكثر عن الكلية، وأخبره عن النشاط الطُلابي الذي كان أحد المتطوعين بداخله وأصبح الآن مسؤول، وهم بالفعل ينظمون اِستقبال طُلاب جُدد لتكتسب المعرفة وتؤهلها، قال بصوت داخله وقتها:

– ”قد إيه الناس جميلة وهي بتساعد بدون مقابل، أتمنى أكون جزء من الفريق ده في يوم من الأيام، أتمنى أدخل كل الأنشطة الطلابية، عشان أساعد أكبر عدد من الناس“.

أفاق من ذكرياته وعَلت البسمة وجهه حين تدراك الصُدفة وأنه على بُعد خطوة لكي يتطوع مع هذا الفريق، قاطع تفكيره وذكرياته أحد المسؤولين:

– ”معاد مقابلتك دلوقتي“.

نهض مُضطربًا وقام بالمقابلة الشخصية، وبعد انتهاءها رأى من داخله أنه سيتم رفضه، لأنه لم يكن كُفء بالشكل الكافي.

بعد عدة أيام، انتظر يوم النتيجة، كان يجلس مع أخته ندى، وفجأة تلقى رسالة – ”تم قبولك لتكون جزء من كياننا، لقد تم قبولك بـ..“ – لم يُكمل محمد الرسالة حتى قفز من مكانه، وفرح كثيرًا مع أخته ندى، لأنه لم يتوقع أن يتم قبوله.

أتى أول اِجتماع له في هذا النشاط الطُلابي كان مع بداية النصف الثاني من عامه الدراسي الأول، يرى أشخاص لم يعرفهم، وبدأ يُعرِف اسمه هو وكل من معه، وتبادلوا الأسئلة والمزيح والمُناقشات العديدة حول خطتهم.

كان محمد قد عرِف أصدقاء جُدد في كُل مرة يذهب إلى الاِجتماعات المدعو إليها، وكَون أصدقاء كثيرة، منهم في كُليته، ومنهم فى كُليات أخرى بحكم تطوعه، وبالرغم من ذلك كان يتردد في عقله أن كل هؤلاء الأصدقاء لم يكن منهم الشخص المُقرب إليه الذى يُريده.

كان قد دخل محمد أكثر من نشاط طُلابي بجانب كُليته بمرور الأعوام الدراسية، فبحلول السنة الثالثة كان قد اكتسب خبرات من الأنشطة سواء كعضو أو مسؤول، بالفعل ازدادت مسؤولياته فكان الوقت يمر سريعًا وكانت انجازاته تزداد مع الوقت وأصبح شغوفًا بكليته وبالعمل التطوعي.

تأتي السنة الآخيرة سيتخلص من عناء الكُلية أخيرًا بينما تُنهي أخته ندى وأخيها رحلة الثانوية لتلتحق ندى بكُلية الطب ويلتحق أحمد بكُلية ألسُن، يومًا ما كان فى غُرفته وحيدًا، يكتب انجاز جديد كعادته:

– ”اتغيرت وبقيت أحسن من الأول، الكُلية غيرتني فعلًا“.

قام بتعليق الورقة وعينه على الورقات الأخرى، الأولى مكتوب بها: ”بداية جديدة“،  أُخرى: ”نشاط طُلابي وعمل تطوعي“، وأُخرى: ”بقى عندي صحاب كتير“، وأُخرى: ”حددت مسؤولياتي ونفذتها، قرارتي باخدها بنفسي من غير رأي حد“، وأُخرى: ”الدكتورة ندى“ فكان فرحًا بأخته عندما حققت حلمها ويرى أنه انجاز يستحق تعليقه في غرفته.

ثم في النهاية وقعت عيناه على ورقة وضعها أسفل كتبه مكتوب عليها ”فيروز“، فهو لا يجرؤ على تعليقها بجانب الورقات الأُخرى؛ حتى لا تسأله ندى عن تلك الورقة، فهي لن تعتقد أنه يعلق اسم المُطربة فيروز مثلًا، وستتوالى الأسئلة من ندى وقتها، ففضل أن يخفيها وفضل أن يكتم حُبه لفيروز زميلته بالجامعة بداخله ويكتفي برؤيتها من بعيد داخل الجامعة فقط.

صباح يوم الأثنين كان لديه مُحاضرات عديدة، وكان لديه اجتماع للنشاط الطُلابي لتأدية مُهمة ما، بعد أن انتهى من كل هذا بدأ يشعر بالتعب، ويريد أن يستريح لما كان يتصف هذا اليوم من صعوبة، في طريق خروجه من الكُلية مع أحد زملائه رأى الفتاة كعادته في نفس الوقت:

– ”فيروز“.

قالها بصوت خافت وقد لمعت عيناه، وانتفض قلبه لحين تدفقت قطرات الدماء في عروقه سريعًا، ليقطع جموده صوت رفيقه:

– ”أنت مش ناوي تتكلم معاها بقى ولا إيه، دي آخر سنة ومش هتشوفها تاني“.

اِلتقت عيناها بعيناه كالعادة تنظر له بنفس النظرة حاملة لتساؤلات تجاهه، اِلتف محمد لرفيقه وأجابه في فتور:

– ”يلا نمشي عشان أنا تعبان ومش قادر أتكلم خاالص وابقى أحاول اتكلم معاها بعدين“.

أثناء عودته بالباص إلى منزله، يميل برأسه جهة النافذة ينتظر لحظة مروره على الشركة التي يحلم بها منذ رؤيته لها وقت إلتحاقة بالكُلية، تلك الثوانِ قليلة لكن ترسم البهجة على وجهه، وتُزيل تعب ومشقة اليوم بمجرد التفكير في اليوم الذي سيعمل بتلك الشركة.

عند عودته إلى منزله، دخل غرفته صامتًا، ليكتب على ورقة اِنجاز جديد كعادته لَكِنَ تلك المرة يكتب حلم وليس اِنجاز، فكتب اسم الشركة وعلقها بجوار الورقات الأُخرى. حينها تذكر أبيه عندما كتب له ورقة – ”البشمهندس محمد“ – الحلم الذي فشل والده في تحقيقه وأراد تحقيقه في ابنه الأكبر، هذه المرة هو من يفعل ذلك، وأصبح منذ هذا الوقت أو قبله بقليل شخصية مُستقلة، يحلم ويُحقق ما يريد، لقد أصبح ذو شخصية قوية حقًا.

في صباح اليوم التالي، ذهب محمد إلى كُليته، ليجد أن المحاضرات قد أُلغيت، ذهب لمكان خالي في الكُلية؛ ليجلس بمفرده وكعادته يستمع لفيروز ويُدندن معها في حين ينشغل في ماهو قادم، وماذا سيفعل؟

قاطع تفكيره صوت من الخلف:

– ”محمد يوسف“.

التف ليرى فتاة يديها متشابكتين وقد عَلت البسمة وجهها تقف بجواره، أجابها بكلمات مُتفرقة:

– ”ايوا أنا، اتفضلي“.

يُتبع …

1 thought on “محمد يوسف: ”الصُدف قد تكون جميلة“”

اترك تعليقاً