محمد يوسف: ”إحذر مِمَّنْ تُخالِل“

من السهل أن تجد في السنة مئة صديق، ولكن من الصعب أن تجد صديقًا لمئة سنة. بلزاك

كانت هذه الجملة دائمًا هي المحرك الأساسي لصديقنا في شتى مراحل حياته، من المؤكد أنكم لاحظتم نُدرة أصدقاء محمد، بل وانعدامهم في أغلب فترات حياته.

في مرحلة الثانوية (المراهقة)، وأثناء تكون شخصية محمد عانى من العديد من خيبات الأمل، على الرغم من أنه لم يحظى يومًا بأكثر من صديق، ولكن الخذلان كان رفيقه الوحيد.

في تلك الفترة التي يكون فيها معظم الشباب صداقاتهم طويلة الأجل -أصدقاء العمر-، كان محمد يعاني بشدة من عدم قدرته على التواصل، على الرغم من لسانه الفصيح، وشخصيته الفريدة وسط أقرانه، لم يجد رفيقًا يكمل معه الدرب، وخرج من الثانوية وحيدًا… كما بدأها وحيدًا…

مرَّ صديقنا بعد ذلك بفترة من الاضطراب، دخل عالم لا يعرفه، وحيدًا، كان يسير كالأبله يُحدق في وجوه رفاقه في الكُلية، لعله يجد في أحدهم رفيقه المنتظر. ولكن كعادته، يبحث عنه سوء الحظ أينما كان. تعرف على العديد من الطلاب أمثاله، في المحاضرات وأثناء الخروج منها، ولكن لم يجذب أو يُجذب لأي منهم، كان يشعر دائمًا أن صديقه يجب أن يكون مختلفًا، ليس في برود هؤلاء.

كانت ندى دائمًا تشجعه على تكوين الصداقات، وتسأله يوميًا إن كان تعرف على أحدهم، وربما عادوا من الطريق ذاته معًا، كانت تحاول إرشاده ولكن بلطفها وحرصها المعهودين. ولكنها لم تنتبه أنها بذلك ملأت مكانتي الأخت والصديقة، فاكتفى بها وكفَّ عن البحث عن الأصدقاء.

إذا أردت شيئًا بقوة فأطلق سراحه؟ هذا ما فعله صديقنا دون أن يدري، فبمجرد أن اختفى هاجس تكوين الصداقات من عقله، بدأت حياته تمتلئ بهم. ترك إنضمامه للنشاط الطلابي بصمة كبيرة على شخصيته، فبدأ صديقنا يثق في قدراته، وتعلم كيف يُظهر خير ما فيه. فبدأ في تكوين علاقات وأصبح له معارف كُثر.

في اللحظة التي رأى فيها يُسر علم أنها ستكون صديقته، المُقربة، والوحيدة. كانت مختلفة عن كل من مروا بهذا المكان، واستطاعت أن تكون جزءًا من يومه في وقت بسيط.

تعرف صديقنا على يُسر في أحد المحاضرات، وتابعها بعد ذلك، شخصية مميزة، معطاءة، تبعث البهجة أينما ذهبت، وتعطي بلا حساب. ومع ذلك هي أيضًا بلا أصدقاء، لاحظ أنها تساند الجميع وتساعدهم، ولكن بمجرد أن ينتهوا يذهبون عنها، وتذهب في طريقها وحيدة، بينما تختفي ابتسامتها تدريجيًا وتصل إلى حد البكاء أحيانًا.

شعر فيها بوحدته، وأراد أن ينهي وحدتيهما معًا. وفي أحد الأيام ذهب محمد إلى كُليته، ليجد أن المحاضرات قد أُلغيت، ذهب لمكان خالي في الكُلية؛ ليجلس بمفرده وكعادته يستمع لفيروز ويُدندن معها في حين ينشغل في ماهو قادم، وماذا سيفعل؟

قاطع تفكيره صوت من الخلف:

– ”محمد يوسف“.

التف ليرى فتاة يديها متشابكتين وقد عَلت البسمة وجهها تقف بجواره، أجابها بكلمات مُتفرقة:

– ”ايوا أنا، اتفضلي“.

كانت هي، يُسر، ومن هنا بدأت صداقتهم. بدأ صديقنا في الإقتراب منها وفي خلال بضعة أيام كانا أصدقاء. كم كان هذا سهلًا!، كان محمد دائمًا يتخيل أنه لن يقترب من أحدهم هكذا سوى بعد سنوات، ومواقف وتجارب، ولكن على العكس تمامًا، أستطاعت يُسر أن تُيسر الأمر، كما فعلت في حياته.

بعدما استقرت صداقتيهما بدأ كل منهم في إمداد الآخر بما يملك، تعلم صديقنا منها العطاء، وحب الناس بلا مقابل، وكان هو ملأها بعدما يذهب الناس عنه، رغم ذلك، كان لدى يُسر جزء غامض من شخصيتها وحياتها، لم تبلغ محمد به قط، ولم يرغب في السؤال خشية من خسارتها، كما لم يخبرها محمد ببعض الأحداث التي جرت في أخر السنة الدراسية.

فجأه! هُدم كل هذا.. اختفى محمد لشهور، حاولت يُسر الوصول إليه، ولكنه اختفى كما أنه لم يكن من الأساس، تخلى عن كل مسئولياته وترك كل شيء خلفه.. وعندما عاد بحثًا عن صديقته ليبرر غيابه ويستنجد بها.. لم تكن هناك.. ذهبت يُسر، وذهب معها صديق محمد الوحيد…

في هذا العام انقلبت حياة صديقنا رأسًا على عقب، تدمر إلى حد عدم دخوله إمتحانات نهاية العام، ولم يلتحق بالفصل الصيفي أيضًا، مما تسبب في تأخره عن التخرج عام كامل!

مر بعدها الوقت وعلم محمد الكثير، غير صديقنا وحياته كما لم يكن يتخيل يومًا، وكعادة الزمان، دائمًا ما يُخبئ لنا مفاجآت لا تخطر على بال.

يُتبع …

1 thought on “محمد يوسف: ”إحذر مِمَّنْ تُخالِل“”

اترك تعليقاً