محمد يوسف: ”أردتُ حقًا إنقاذ الجميع“

لقد كان أسبوع طويلًا للغاية بالعمل، سمح المدير لجميع الموظفين بالانصراف مبكرًا اليوم. لاحظ الجميع أن هذا كان غريبًا بعض الشيء منه، ولكننا كنا فرحين على كل حال. ولأنه يوم الخميس فقررت أن أذهب للحديقة حتى أصفي ذهني قليلًا من هذا الأسبوع الشاق.

عادت إلْي بعض الأفكار من الماضي، لا أعلم لماذا، ربما بسبب الضغط. على كلًا بدأت أتذكر ذاتي القديمة، وأنا أتأمل في منظر السحب التي كانت تشبه القوارب وهي تسبح في البحر.

كيف أصيغ هذا بطريقة لا أبدو بها كالطفل. حسنًا، أنا كنت دائمًا مهووس بالأبطال الخارقين أردتُ دائمًا أن أغدو بطلًا للعدالة. أساعد الناس على قدر استطاعتي، أساعد أي أحد، حتى لو كان يبدو لي لا يريد المساعدة. طالما ما عاتبني المقربون لي على طريقتي في تفضيل الجميع على نفسي، والمبالغة في هذا الأمر.

حلمي كان عالمًا لا يبكي فيه أحد. أعلم أن هذه مبالغة، ولكني أردت هذا العالم المثالي وسعيت لهذا الحلم. كان شعاري حينها سأكون الضوء حتى بأعماق الظلام“. نعم حتى بأعماق الظلام، عندما أتذكر هذا الشعار أضحك كثيرًا.

لم يكن لدي خيار آخر، أو هذا ما أقنعت نفسي به، كنت دائمًا أشعر أني أحمل عدالة العالم على كتفي. شعرت أن انقاذ أحد يستحق العناء، فأنا بطل العدالة كما تعلم، الأمر الوحيد الذي تحمست له هو هذه الفكرة، هذه الفكرة التي دمرتني.

كيف سأنقذ الجميع من الأساس؟، إنقاذ الكثير يعني تدمير القليل، إنقاذ أكبر قدر من الناس يعني ترك القليل يلقون حتفهم. حتى وإن أنقذت الجميع، من الذي سيضمن لي أن الذي أنقذتهم أخيار من الأساس، كيف لي أن أساعد الناس وأنا لا أستطيع مساعدة نفسي.

اقتنعت في النهاية أن هذا مجرد وهم، إنقاذ الجميع كذبة أنا صدقتها، حتى الأبطال الخارقين عندما يحاولون إنقاذ العالم ينتهي بهم المطاف بتدميره.

الأبطال الخارقون يحاولون منع الشرير دائمًا من تحقيق مخططاته، وفي نفس الوقت يدمرون كل شيء لتحقيق هذا الهدف، وكأنهم نسوا هدفهم الأساسي، حماية الناس. أحيانًا أفكر أن محاولة إنقاذ الجميع مجرد حجة، وغرضهم الحقيقي من ملاحقتهم لهؤلاء الأشرار هو مجرد غرض شخصي.

ولنفرض أن فعلًا يحاولون إنقاذ الجميع، أليس هذا الشرير من ضمن الجميع؟. لا أظن أن هناك من أختار أن يكون شريرًا بملء إرادته، وإنما هو شخص لم يتم إنقاذه، فغرق في بؤسه وغضبه لم يستطع أن ينجو، فقرر الأنتقام. لماذا لم يحاول البطل إنقاذه وإخراجه من دائرة بؤسه؟، لأنه شخص واحد أليس كذلك!. لنقضي على شخص واحد ليعيش الكثير، ألا يتنافى هذا مع مبدأ إنقاذ الجميع، ألا يتنافى مع مبدأ أبطال العدالة.

وظيفة البطل دائمًا هي التضحية بحياته من أجل الأخرين، ولكن ماذا إن خسر حياته، هل سيتذكره الأخرون، أما سوف يندبون حظهم لأن بطلهم قد رحل وليس هناك من يحميهم، غير مُبالين بما حدث له. وفي هذه الحالة لن يكون قد أنقذ الجميع، في الأساس لم يستطع إنقاذ نفسه.

الأبطال الخارقون لا يستطيعون إنقاذ الجميع، وعلى ما يبدو أنا لا أستطيع إنقاذ الجميع. وأظن أن ليس هناك مخلوق يستطيع إنقاذ الجميع، ولكن عند التفكير بالأمر، لماذا أحاول إنقاذ الجميع؟. هذا العالم ليس مثاليًا لهذه الدرجة، أكان خوفي من أن يكسر أحد قلبي هو ما يدفعني لهذه الأفكار، أم خوفي من أن أخسر أحدًا عزيزًا علي، مثل خسارتي لأبي.

سأقولها مرة أخرى، إنقاذ الجميع وهم وكذبة أنا صدقتها، ولكنها كانت أفضل كذبة. لأنها جعلتني أشعر بذاتي ولو قليلًا، حتى لو رأى أي شخص العكس، فأنا لست نادم على أي شئ فعلت. فأنا وُلِدت في عالم حقيقي، عالم تمتزج فيه الذكريات المرحة والمؤلمة، وأنا سعيد بالذكريات التي حققتها.

العالم لا يسير كما نريد، فنحن نعرف السعادة لوجود الحزن، ونعرف الفوز لوجود الخسارة، ويوجد الأمان لوجود الخوف، طالما هناك نور فسيوجد ظلام، وطالما نحن على قيد الحياة فستوجد أحلام.

أنا علمتُ منذ البداية أن حلمي صعب المنال، وعلى ما يبدو أنه مستحيل، ولكني أيضًا متأكد أنه ليس خطأ.

أفقت من تفكيري العميق وعلى خدي نقطة ماء، لا أدري أكانت دموعًا أم كانت من الشجرة التي فوقي، كل ما أعلمه الآن هو أن الشمس قد غربت وعليا العودة للمنزل.

يُتبع…

اترك تعليقاً