محمد يوسف: ˮلكل منا وجه آخر“

– ˮهل أخطأتُ حقًّا عندما تأخرتُ في زيارةِ والدتي .. هل قصّرتُ في حقّها .. هل أنا سيء لهذه الدّرجة!“.

اشتد المطر كثيرًا ولا زال يجلس على المِقهى يفكر حين مرت عطلته السابقة بدون زيارة والدته مما سبب لها الحزن حين رأها اليوم ومُعاتبة ندى حين رحل وقت الغداء. تنجرف الأمطار أمامه على الطريق تلف السماء غيمة سوداء، تحمل الكثير من خيبات الأمل كما كان يراها، لم يكن يتفادى الأمطار، لأنها كانت جزءًا من وجوده.

كان ينتظر بفارغ الصبر تلك الغيمة أن تنقشع، آملا بحلول ذلك أن تختفي كل آلامه. استحوذت الأفكار على عقله، لماذا يا فيروز! لماذا يا أبي! لماذا تركتموني أخوض الحياة وحيدًا! لماذا لم تنتظرني يا أبي، أو تأخذني معك لجنة الخلد بإذن الله! لماذا يا فيروز لم تحبيني فقط ربع عشقي لك. لم نكتب أسامينا على الحور العتيق ولم نزور طاحونة الحي، وكم أملت أن اكتب لك الجوابات ونقرأها بعد خمسين سنة ونتذكر الذكريات.

أنهى قهوته ونهض من المِقهى حين هدأت الأمطار. ذهب مُسرعًا للبيت غارقًا في التفكير، أعد القهوة وانتظر بفارغ الصبر أن يجلس في مقعده المعتاد كي يحتسي الفنجان الذي طالما شربه وحده. كم تمنى أن يجد رفيقًا يشاركه اللحظات الهادئة تلك، لكن لا! فقد ظنوا جميعا أنهم أفضل منه، حسبوا أنهم سينعمون براحة البال بعدما تركوه دون طوق نجاة، لقد كانت طوق نجاته فيروز الجميلة وسط مصاعب الدنيا بمُجرد رؤيتها.

بات الشخص الذي يكره ويتمنى لو يجرفه الموج كل يوم، جلس على كرسيه يفكر، لابد من الأنتقام. يجب أن يعرفوا جميعًا أنهم لم يكونوا ولن يكونوا بدونه، هو الفتى الذي سيذكره التاريخ أو لن يذكره سِواهم ممن جرحوا قلبه الضعيف من فرط ما سيمرون به.

إستيقظت عواطفه من الموت! خرج إلى موجة من زحام المارة غير متكبث عناء التفكير إلى أين ذاهب. لم يتريث لحظة طالت الساعات ووجد نفسه أمام بيتها تحت شباكها، يصرخ بداخله تحت المطر، توقف وبيده بعض الأحجار وزجاج نافذتها مكسور، هو من فعل ذلك؟

أول ما جاء بباله كان الركض، الركض بدون توقف لمكان بعيد وفجأة توقفت الأمطار على حظه. طلت فيروز من شباكها، نظرت إليه وعلامات التعجب على وجهها انعقدت شفتاها وصرخت تجاهه:

– ˮأنت اتجننت؟“.

حينها تمكن من المشي بعيدًا وكأن شيئًا لم يكن، تسارعت خطواته  كطفل كسر مِزهرية البيت، وهمَ بالفِرار قبل أن يُكتشف أمره. اِنتفض جسده عندما أحس بلمستها الدافئة، وقبل أن يلتف شعر بوغز الصدمة ووجع الرفض. فلكم وجهها ونزف السائل الأحمر، أحس وكأنه أراد أن يستمر في ضرب رأسها مراراً، وقبل أن تتسنى له الفرصة استغاثت بعِلو صوتها وركضت إلى بيتها. أكمل طريقه ولم يكترث لما كانت تريد، أجل هو من كسر نافذتها، وهو من أسره الماضي، لكن هل ضربها بحق أم تلك هواجسه الصماء ثانية.

– ”لله يا مُحسنين.. مناديل يا مدام؟ عايز مناديل يا بيه؟“

تعالى صوت خبيث طفولي بجانبه، أراد تحطيم وجه اللآخر وعندما وقف أمامه تلفظ بأبذئ الألفاظ وأخبره أن يتسول بعيدًا، نظر البائع إليه وكأنه فضائي ممسوخ، ثم ذهب بعيدًا.

أين اصدقائه؟ كيف عاش دون صديق؟ أين أحلامه؟ أكانت أحلام وردية؟ كيف انتهى بمحمد يوسف الحال إلى هنا. أفاق من تفكيره ونهض في هدوء تاركًا تلك الأفكار ليذهب إلى البيت، فغدًا يبدأ أسبوع العمل ووقتها سينشغل عن الحياة بأكملها.

يُتبع…


اترك تعليقاً