محمد يوسف: ˮفَلسفةُ المَاضِي“

يمسكُ القلم ينثرُ بِه حروفَ ذكرياتِه المؤلمة في ورقةٍ يضعها على مكتبه الذي يواعده كلَّ ليلةٍ ليروي عليه ذكرياته، مسندًا ظهره على وسادةٍ من قطن يضعُ يدهُ اليسرى تحت خدّه الأيسر ممسكًا القلمَ بيمناه وكعادته يستمع لفيروز ولما تتغنى به من كلمات الشعراء، على مكتبه صورة فيروز الأخرى تلكَ الفتاة التي كانت سببا في سحبِ منديلٍ ورقيٍّ ليجفف دموعه قبل أن تهاجمه كعادتها يحدث نفسه في تلكَ الورقة التي اختلطت الحروف على سطحها بدموعه المهمرةِ منه.

يحدّثُ نفسهُ بالفصحى قائلًا:

ˮأدركتُ بعدَ مرورِ أعوام أنّه كانَ ينبغي عليَّ أنْ أتمهّل ولَا تسوقني مشاعري لأصّرح عنْ مَا كانَ في قلْبي لها .. لمْ يكنْ منَ السّهلِ أبدًا أنْ أتخطّى مشهدَ رفضها لحبّي لها .. كم هو مؤلمٌ شعورُ الرّفض ومحطّم لتلكَ المُضغة التي بينَ جنبيّ .. لم أمكث كثيرًا  من صدمةِ رفض فيروز لي حتى تلقيتُ خبرَ وفاة والدي بعدها بعامين .. كان الخبر بمثابة تلك القشّة التي قسمت ظهر البعير.

 حتى أدرتُ شرِاع سفينة حياتي لأغير اتجاهها .. مرّت ثلاثةُ أعوام على تلك الصُدفة حين رأيتها للمرة الأولى بعد تخرجي من الجامعة .. ولا زِلتُ في ذلك الاتجاه الذي أدرتُ له الشّراع أعيشُ وحيدًا أصارع أمواجَ ذكرياتِ الماضي وأشتتُ كلتا العنين وأجعل منهما سدًّا منيعًا لدموعي .. ممسكًا قلمي وأنظرُ بأسى على ما تحدثني به نفسي كلَّ ليلة.

تلكَ الأوراق لا تجعلني في راحة بقدرِ ما  تجعلني مدركًا أنّه لا نملكُ حقَّ أنْ نسيّر شراع سفينةِ الحياةِ كما أردنا ولابدّ من هبوبِ رياحٍ تغيرُ من اتجاهِ الشّراع .. ومدركًا أنه لم نختر أقدارنا، بقدرِ ما كان خيارنا الوحيد أنْ نسلّم أولا بها من ثم نرضى حتى تصفوا لنا الحياة.

تلكَ الأوراق التي بينَ يديّ ما هي إلَّا أفكارٌ وذكرياتٌ تنهمرُ كل ليلة“.

لم يدرك نفسه إلا عندما وجدَ رأسه تسقطُ من على  الكرسي الذي كانَ جالسًا عليه ليلةَ أمس، ونورُ الشّمس قد ملأ أرجاءَ غرفته الصّغيرة وغطى زوايا مكتبِه الصّغير إستيقظَ فزعًا مِن ذلك الكابوس الذي يلاحقُه يلتقطُ أنْفاسُه بسرعةٍ شديدة، قائلًا بصوتٍ منخفض:

– ˮبسمِ الله الرّحمنِ الرّحِيم .. هي السّاعة كام!“.

أخذَ يبحثُ عنْ هاتفه ليعرف السّاعة حتى اصتدمت يداه به .. فوجدها تقتربُ مِنَ السّابعة

تنهّد تنهيدة خفيفةً على وجهه ابتسامة خفيفة قائلًا:

– ”الحمدُ لله .. صحيت قبل المعاد بساعتين“.

نهضَ من الكرسي بلطفٍ شديد تجنبًا للشّعورِ بألمِ رقبته من نومِ الكرسيّ .. وإذا به يشعلُ الغاز ويوقدُ النّار على البيض متذكرًا شقيقته المقربة له ندى – التي تخرجت من كليّة الطبِّ البشريّ – وهم يعدّانِ الفطار سويًّا في منزلِ والدهم على أنغامِ فيروز وهي تتغني بكلماتها العذبة.

يمسكُ زجاجة عطرِه الثّمين بعد أن إرتدى ثيابُه الأنيقة كعادتِه دومًا في اختيارِ ما يرتدي من الثّياب، وإذ بِه ينشرُ رذاذ العطرِ على قميصِه الأبيض وهو يستمعُ إلى فيروز، تناولَ فطوره ونزل مسرعًا لعملِه حتى يصل في تمامِ التّاسعة، كان قدْ تركَ منزل والده وسكن في شقةٍ بحيّ العجوزة في القاهرة بالقرب من والدته ويتردّدُ على منزلِ والدِه كلّ جمعة.

يهتزّ الهاتفِ مصدرًا صوتًا أزعجَ وسبب التشتت لمن هم في غرفةِ الإجتماعِ معه، أمسكَ الهاتِف فإذا بِه يقرأُ على شاشتِه اسم كاتمةِ أسراره ندى، إستأذنَ للردِّ على الهاتف معتذرًا عن ما أحدث إهتزازُ هاتِفه من إزعاج قائلًا بنبرةِ فيها إشتياق:

– ˮألو .. ازيك يا دكتور وحشتيني“.

ندى بنبرةِ عتاب قائلة:

– ”لو كُنت وحشاك فعلًا كنت جيت الجمعة اللي فاتت واتغديت معانا“.

– ˮأنا آاسف والله غصب عنّي لكن اوعدك بكرا من الصّبح هكون موجود عندكم .. عايزة حاجة أجيبها ليكم“.

قالتْ في حماسةٍ:

– ”عيزاك تيجي وتكون محضّر تقرير إسبوعين يا فندم“.

بنبرةٍ ضاحكة قال:

– ”بس كدا! عنيا ليكِ يلا اشوفك بكرا عشان أنا في اجتماع دلوقتِ“.

– ˮسلام يا بشمهندس“.

عادَ إلى منزلِه بعدَ دوامِ أسبوعٍ كامل، مُلقى على أريكتِه بجانبِ بابِ شقّته قائلًا:

– ”وأخيرًا بكرا الجمعة“.

إستيقظَ في الصباحِ البَاكِر فزعًا كعادتِه من ذلك الكابوس الذي يُلاحقُه، أمسكَ هاتفُه ونظر إلى السّاعة قائلًا بصوتٍ منخفض:

– ”أنا يدوب أجهز وانزل أروح لماما“.

نهضَ من على سريره مجهزًا فطوره كالعادة وأعدّ قهوته، ارتدى أحسن الثّياب ونثر عليها رذاذ عطرِه، متناولًا قهوته وهو يستمعُ إلى صوتِ فيروز الدّافئ معَ نسيمِ صباحِ عطلته المشرق.

ابتسامةُ تملئ وجهه يقترب من الشّارع الذي يقع فيه منزلُ والدِه .. تشاهده ندى من شرفةِ المنزل تلوّح بيدها لَه ينظر لها بإشتياق ويشيرُ بيدِه لها وكل ما يدورُ في بالِه التقريرُ الذي تنتظره ندى.

إستقبلتُه أمُّه إستقبالًا حارًّا وكذلك ندى وكان أحمد شقيقه الأصغر نائمًا لا يستيقظُ باكرًا في يومِ الجمعة

بصوتٍ غلبت عليه نبرةُ كبرِ السنّ ومشاعرُ اللّهفة:

– ˮكدا يابني أسبوعين بحالهم ما أشوفك“.

أجَابها بنبرةِ أسف قائلًا:

– ˮحقّك عليَّا والله يا أمّي .. أوعدك كل جمعة قبل ما تصحي من نومك هتلاقيني عندك“.

– ˮكان لازمته إيه يا ابني تبعد وتاخد شقة في العجوزة وتبقى لوحدك“.

– ˮده اللي كان لازم يحصل يا أمي .. وبعدين أنا مش بعيد عنك أوي“.

بتنهيدةٍ فيها رضا وتسليم بالحال:

– ˮعلى راحتك يا حبيبي .. يارب في يوم مفترج زي ده اشوفك في بيتك.

– ˮلازم كل لمّا تشوفيني تدعي الدعوة ده يا أمي.

– ˮوهفضل أدعيلك لغاية لما اشوفك في بيتك.

نظرت له ندى وهي تعلم ما يفكّرُ بِه وأشارت له بعينها قائلةً:

– ˮهسيبك تقعد مع ماما اليوم كلّه بس  تعالى نشرب القهوة في البلكونة ونسمع الست فيروز وتحكيلي آخر الأخبار .. بعد إذنك يا ماما هسرق محمد منك شويّة.

– ˮاتفضلوا يا بنتي.

أمسكت يده وأجلسته على كرسيه المفضّل له وجلست هي أمامه على الآخر، إرتشفا قليلًا من القهوة

قاطعت ذهنه الشّارد وقالت:

– ˮسيبك من فيروز اللي في بالك وركّز مع الست فيروز دلوقتِ.

نظرَ لَها بحزن وقال:

– ˮإنتِ عارفة إن شوفتها صدفة تاني وأنا خارِج من الشّركة أول إمبارح! بس مش أول مرة الصدفة الأولى كانت من أربع سنين تقريبًا ووقتها مقولتش لحد.

رمقته ندى في دهشةٍ – وفي حِدة – قالت:

– ˮمن أربع سنين ومقولتليش وقتها ...

– ˮمرضتش أقول لحد ومع الوقت نسيت الموقف“.

– ˮطب هي لسه ساكنة في نفس المكان جنبنا أقصد؟“.

– ˮاها وعديت على شارعها قبل لما أدخل شارعنا كعادتي زمان..“.

– ˮالمهم وبعدين إيه اللي حصل.

– ˮولا حاجة يا ندى .. شوفت فيروز ثانية غير اللي عرفتها .. فيروز اللي كنت أعرفها ماتت من زمان .. ده كانت واحدة غريبة عني.

– ˮرجعت تفكّر ثاني في اللي حصل زمان !.

– ˮبصراحة مش هكذب عليكِ .. آاه رجعت أفكّر .. فكّرت قد إيه كنت متسّرع وغبي لما روحت اعترفت بمشاعري ليها .. إزاي ما كنت واخد بالي ولا فكرت إنها ممكن ترفضني!“.

– ˮوحصل إيه تاني .. إيه خلّاك تغيب عننا الجمعة اللي فاتت يا محمد“.

– ˮبصراحة تعمدت ما آجي .. أنا كل ليلة يا ندى بفضل قاعد ع المكتب وماسك القلم وبكتب في نفس الكلام كل يوم لنفسي وبفتكر مشهد رفضي كل ليلة وبفتكر خبر وفاة بابا .. لغاية النهاردة حاسس كأنه إمبارح“. 

بتنهيدةٍ ردّت:

– ˮالله يرحمه ويغفر له – أردفت كلامها مُبتسمة –

– ˮغريبة أنت لسه بتكتب مذكراتك لحد دلوقتِ!“.

– ˮلسه بكتب وكل يوم بكتب .. بس لسه كنتِ عايزة آجي بقى وأزود عليكم“.

ضحكت فقالت:

– ˮأومّال إنتَ بتعمل إيه دلوقتِ“.

– ˮوالله لولاا مكالمتك ليا إمبارح ولا كنت هاجي أصلاا“.

إستيقظ أحمد من نومِه ورحّب بشقيقه وذهبوا لأداء الجمعة في المسجد   

أعدّت ندى ووالدتها طعامَ الغذاء وقامت ندى بتجهيز مائدة الطّعام، جلسوا جميعًاا على المائدة، ثم أخبرهم محمد أنّه يجبُ عليه أنْ ينصرِف ليقومَ ببعضِ العمل وينامَ مبكّرًا ليستعدّ لبدايةٍ دوامٍ جديد.

ندى بنبرةٍ غاضبة:

– ˮهو كل مرا كدا؟“.

– ˮآاسف والله .. لكن أوعدك نكمّل كلامنا أول ما أفضى ومش هستنى للجمعة عشان نتكلم“.

ودّعهم ثمّ إنصرَف إلى منزله وذهنه شارِد يفكّر في كلماتِ ندى ووالدتِه .. وأثناء الطريق حين تهاطلت عليه الأمطار .. جلس في مقهى يعدُّ جميعَ أصنافِ القهوة

طلب واحدةً له .. وطلب من المسئول عن الخدمةِ هناك أن يسمعه فيروز .. وأخذَ يتسائل ويفكّر

– ˮهل أخطأتُ حقًّا عندما تأخرتُ في زيارةِ والدتي؟! .. هل قصّرتُ في حقّها؟! .. هل أنا سيء لهذه الدّرجة؟!“.

يُتبع…

اترك تعليقاً