لا تتوغل في الظلام.. ستهلك

وميض أبيض يُداعب عينيهِ توسلًا بالدّخول، ولكنَّ المقاومة قاسية يفتح عينيهِ و يبدأ في إستعياب ما يحدث حوله، هدوء تام  لا يخلوا من صوت جهاز قياس مستوى نبض القلب بعد محاولات قاسية للإستيعاب يدرك تواجده بالمشفى، لا يعلم متى ولا أين ولا كيف حدثَ هذا “لما لا أشعرُ بجسمي ولا أقوى على تحريك ذراعيَّ؟” ، فيغفو مجددًا لقطات متقطعة.. صراخ والده على أمّه وبكائها، ضرب والده لها، إختناق والده وهو يأكل، أمه التي تزوجت بعد مرور عام على وفاةِ والده، زوج أمه ومعاملته القاسية له، ودفاع أمه عن زوجها، موت أمه وزوجها في حادثةِ سيارة. 

سمع صوتًا: “هو كده بقاله 21 يوم في الغيبوبة تقريبًا فاق منهم مرة أو مرتين على حسب قياس نبضات قلبه اللي مش  مستقرة.”

و يُقاطع كلامهم صوتُ ضوضاءٍ من سرير طارق، تراجعوا لينظروا ليجدوه يحاول تحريكِ ذراعه، وإرتفاع مستوى سرعة نبضات قلبه. طارق متهتهًا بكلامٍ مبحوح لا زال التراب عليه: “أاا.. أنا.. ففيين؟”

جاءه صوت الممرضة: “ركز معايا دقيقة كده حرك إيدك الشمال كده” 

بعد صعوبة يستطيع أن يزحزها قليلاً ويغمض عينيه مجددًا.

بعد 3 أيام: 

قالت الممرضة: “إزيك النهاردة؟!”

فأجيبها: “أحسن من ما كنت من يومين.” يشرد بعينيه، وبدأ يفكر فيما حدث وما الذي حدث خلال فترة موته المؤقتة. تخرجه الممرضة من حالة الشرود: “تمام إنتَ كده بقيت بحالة كويسة، وتقدر تخرج بكرة الصبح من المستشفى لو تحب ومتنساش الأدوية بتاعتك وتاخدها كلها في ميعادها عشان ميبقاش في مضاعفات وتخفف من شرب السجاير.”  

قال طارق متعجباً: “مضاعفات  لإيه بالظبط وأنا مش مدخن أصلاً!

 فتجيب عليه الممرضة: “جهازك العصبي ولقينا في هدومك علبة سجاير عشان كده قولت إنك مدخن.” 

طارق متعجبًا ولا يجيب لتكمل هي.. “إنتَ مولود بيها زي الإعاقة الجسدية كده بس ده في جهازك العصبي”

فيجيبها: “وإزاي أبقى لسه أول مرة أعرف دلوقتي ومعرفتش قبل كده؟” 

قالت الممرضة: “هي مكانش ليها أضرار عليك ملموسة بس بعد الحادثة  حصل مضاعفات ليها، وده اللي بسببه إنتَ ممكن متعرفش تمسك كاميرا وتصور تاني، إلا لو انتظمت على الأدوية وعالجت الرعشة اللي في إيدك.” 

ترمي تلكَ القنبلة بصدرهِ وتتركهُ غارقًا في أفكار لامُتناهية متى وكيف! هل كانت تعلم أمي بِها! وكيف لي لم أشعر بها من قبل! أم شعرت ولم أهتم! في صباح اليوم التالي  ذهبَ طارق لشقتهِ يدخل ملاذهُ الذي تركهُ منذ ما يقارب الشهر، لا يزال بقايا عشاءهِ الأخير على الطاولة، فيذهب لغرفته، ويجلس على سريره ويشعل سيجارته، يتذكر طارق خروجه مهرولًا من غرفته ونزوله مسرعًا للقسم الذي يعمل به مصور للقضايا  بعد قرائته لخبر الكشف عن قاتل الدقي لكنّه لم يرى تلك الشّاحنة البيضاء المُسرعة على الطريق التي دهسته كمرور الكرام، ولم تقف حتى لترى ما حدث به كما قال ضابط التحقيق، يذهب للمطبخ لإحضار كوبٍ منَ الماء لأخذِ دوائهِ  ويبدأ  في تحضير قهوته.

ينظر للقهوة ويراه ويتذكر والده المتوفي  إثرَ إختناق  تذكّر كيفَ وضعَ لَه الزئبق في طعامهِ أثناءِ تحضيره له، يفوق من شروده على صوتِ فورانِ قهوته، يطفيءُ النَّار ويصبُّ قهوته ويجلسُ ليحتسيهَا ويشعلُ سيجارة أُخرى ويتذكَّر والدته التّي تزوجت مِن شخصٍ آخر غريب عنه رغمَ صغرِ سنّه حينها إلّا أنّه كانَ يعلمُ أنها لم تكن سعيدة معَ والده وأنها تريد أن تشعر بتلكِ السّعادة، هو أيضًا لم يكن يشعر بالسعادة ولهذا عزمَ على قتله  ولم يخبر والدتَه حينها بعدم موافقته على زواجها ورأى أنّه منَ الصّواب لو أعطاءها فرصةً أُخرى لكن تزوجت من شخص أقسى من والده  كان يضربه كما كان يفعل والده و يسيء اليه، وعندما يخبر أمه توبخه على ذلك وتخبره  أنه جيد عن أبيه الذي كان يعيّشها في جحيم، و أنه يجب أن يتقبله ولا يشكو.

“من قتل مرة يقتل ألف مرة”

لم يتحمل المعيشة في تلك الظروف، ليأتيه خبر وفاةُ أمه وزوجها في حادث بسيارتهم الأمر لم يأخذ منه بِضع دقائق لقطع سلك الفرامل عن سيارةِ زوج أمه،  يَفرغُ من قهوته وسيجارته، ويذهب لغرفته ويستعد للرقودِ على سريرهِ بعدَ غيابٍ عنه، صوتُ كسرِ الباب.. صوت هجوم وتداخل كل شيء حدث في ثانيةٍ واحدةٍ، تدخل القوات والقبضِ عليه  وأخذه والنزولِ به.  

الفصل الأخير

غرفةٌ فارغةٌ بمصباحٍ واحد وكرسيين، إنّهُ يعلم أينَ هو إنها غرفة التحقيقات “لكن لما أنا هنا؟” ظلَّ يسألُ نفسه ولا يجد إجابة ولا يجد أحد يجيبُ عن أسئلته تلك  ليدخلَ بعدها شخص مرتديًا بِنطال وقميص لا تستطيع أن تحدد هل هو ظابط أم عامل بناء حتى وشخص آخر مرتديًا بذلة ونظّارة وشعرهُ أبيض، مِن أولِ نظرةٍ تستطيعُ أن تعرف أنّه طبيب، جميعهم ذوي نفوذ مهمة، يسحب الرجلَ ذو البدلة كرسي ويجلسُ عليه  بينما الآخر يلفٌّ حولَ طارق.

قال الرجل: “طارق محمد عبدالله، 24 سنة خريج كلية آداب قسم فلسفة، مصور محترف وقاتل”

أجاب طارق دون أن يفهم: “قاتــ..”

قاطعه الرجل: “هششش..”

 يلتقط الرجل الجالسُ أمامه يده ويضع بها أسلاك ويبدأ في الأسئلة ظنَّ طارق أن هذا جهاز كشف الكذب،  سأله الرجل: “أنت مدخن؟

ليباغته بسرعة: “لا”

لم يبدي الجهاز أي علامة، إبتسم طارق وظن أنه على الطريق الصواب ليكمل الرجل: “إنتَ تعرف البنت  اللي إتقتلت في الدقي؟” ليجيبه بالنّفي وأن هذه أول مرة يراها وهي جثة، لم يكمل كلامه ليصفعهُ الرجل صفعةً قويةً على وجهه وهو ينظرُ إليه منتظرًا ردةَ فِعله لكنّه لم يبدي أيَّ ردة فعل وكذلك الجهاز، ليقوم بعدها الرجل مشاورًا للرجل الآخر بالتحدث معه على انفراد  فييأخده خارجًا ويبدأ في التحدث:- “هو القاتل ومش هو القاتل..”  

قال الضابط  متحيرًا: “يعني ايه؟!”

 ليكمل لرجل: “إنتَ قدامك حالة شيزوفرينيا، الشيزوفرينيا هي حالة إنفصام بتحصل للشخص، يعني هو دلوقتي إتنين مش واحد، واحد قاتل والتاني ميقدرش يشوف حد بيتقتل أصلًا، وزي ما حضرتك حققت وشوفت من الناس اللي حواليه إنه شخص غير مدخن ولا بيشرب قهوة، وإننا لقينا في بيته آثار سجاير، وكمية كبيرة من القهوة.”

فيجيبه الظابط: “إيه الكلام اللي إنتَ بتقوله ده! الكلام ده في الأفلام يا دكتور مش هنا!

الدكتور: “الشيزوفرينيا بتبقى حالة نادرة مش بنقابلها كتير في حياتنا عشان كده إنتَ ممكن تفتكرها أسطورة، أو مجرد شغل أفلام.”  

الضابط: “أنا هثبتلك إنك بتقول أي كلام وهخليه يعترف بكل حاجه دلوقتي،  هو أي حد يمثل  إنه غلبان يبقي تعبان في إيه يا دكتور؟

يرمي الجملة ولا ينتظر الرد من الطبيب.

ليدخل مجددًا وهو يستشيط غضبًا: “بص بقى يا سيدي هي القضية كده كده لبساك، وفي حالة إنك كنت بتمثل أو زي ما الدكتور بيقول إن عندك شيزوفرينيا، فإنت كده كده هتتعدم، فنخلينا رجالة للآخر وتعترف بدل ما أخليك تعترف بطريقتي، إيه رأيك؟”

أجاب طارق مبتسماً: “معاك سيجارة؟”

قال الضابط بإبتسامة إنتتصار خفيفة: “بس كده؟ أيوة معايا ما إنتَ طلعت بتدخن أومال إيه الكلام اللي قولته للدكتور ده!

قال طارق: “أنا مقولتش حاجه ده طارق مش أنا.”

ليجيبه الضابط: “آه يعني إنتَ عايز تكمل في قصة الدكتور ده وتنكر!”

 فيقاطعه طارق : “أنا مش بنكر حاجة، بس خلاص الساعة بقت 12”

لم يبدي الضابط أي رد فعل لعدم تفهمه ما يقصده الآخر

 ليكمل:- “فاكر أفلام المستذئبين كان الشخص بيتحول لما يشوف القمر.. ويكمل ضاحكًا أهو أنا الذئب اللي بيتحول بعد الساعة 12”

 لم يهتم الضابط لتلك الإبتسامة التي تعلو وجههُ ولا بسخريته 

يكمل متسائلًا: “تمام تقدر تقولي إنتَ قتلت كام مرة؟”

يجيبه: “ستة..” لم يدع الظابط يسأل مجددًا، فيكمل: “قتلت أبويا بعد ما كان معيّشنا في جحيم أنا وأمي، وقتلت أمي وجوزها بعد إكتشافي إن القتل هو الطريقة السلمية لحلّ أي مشكلة  والبنت اللي لقيتوها، البنت دي مكانش المفروض تموت بس هي اللي إضطرتني أعمل كده” 

قال الضابط: “إضطريتك تقتلها عشان مخلتكش تغتصبها !”

فقال طارق: “متخليناش ندخل في تفاصيل ملهاش لازمة دلوقتي، إنت كده سألت وأنا جاوبت”  

ليقول الضابط متحيرًا: “بس دول كده  أربعة،  أمك و أبوك وجوز أمك والبنت مين الباقيين !”

ينظر طارق له مبتسمًا: “إسلام محمد منصور  39 سنة، انتقلت هنا جديد إنتَ ومراتك و بنتك سمعت عنك كتير وكنت عارف إنك هتعملي تهديد.” ليضحك ضحكةً شيطانيةً ويكمل: “بس أنا أخدت إحتياطاتي” فينظر له الضابط مذهولًا بدون أي رد فعل، ويدعه يكمل: “قولي يا باشا  إنت  النهاردة الصبح سلمت على  مراتك قبل ما تنزل؟  لقيتها اصلا؟” رمى الجملة في صدر الضابط  ليسألهُ بعفوية: “إنت قصدك إيه؟ هي بتحبك أو…” لم يكمل  جملتهُ  ليجد  الضابط  ممسكًا بهِ  صارخًا في وجهه: “لو حصلها حاجه إنتَ مش هتشوف النور تاني.”   

قال طارق ضاحكًا: “ما كده كده أنا مش هشوفه، تحب تروحلها تاخدها؟ تعالى أنا هاخدك”، ينظر له لا يعرف بماذا يجيب ، ليكمل طارق: “إنت ممكن تفكني دلوقتي وننزل هي مش بعيدة”، لم يظهر أي رد فعل وأسرعَ بفكه، ونظر في عينيه: “إنت لو حاولت تعمل حاجة  أو لو لقيت مراتي حصلها حاجة أنا..” قاطعه طارق: “من غير ما تكمل إنت بتكلم إنسان ميت.”  

فكَّ قيودهُ  وبدأ بالتحرك ناحية الباب ليباغته طارق بضربةٍ على دماغه تسقطه أرضًا ويسرق مسدسه الشخصي ويغلق الباب من الداخل لعدم دخول فرد آخر ليبدأ بالتحدث ضاحكٍا: “حقيقي البشر دول أغبية، أنا معرفش شكل مراتك حتى بس غبائك هو اللي خلاني أسيطر عليك، نكمل التحقيق بقى: أنا قتلت أربعة والخامس هيبقي حضرتك يا باشا  مش مراتك والسادس هيبقي طارق”

قال الضابط صارخًا متكئًا على الأرض: “إنتَ مجنون! هتقتل نفسك  وتقتلني هتستفاد إيه؟” رد عليه: “أنا هقتل طارق مش هقتلني، أنا اللي زيي مش بيموت أنا مش مجرد شخص أنا الجزء اللي  جوا كل شخص وبيحاول يخبيه، طارق معرفش يخبيني، عشان كده الجزء ده خرج للنور”. نهض من مكانه ولوح بالمسدس نحو الضابط ليقول له: “إنت ضابط شاطر والشاطر دايمًا مصاب”. لم ينتظر منه رد ليدوي صوت الرصاصة المنطلقة في الغرفة صوتُ إنفجارٍ عالي وسكونه بداخل قلب الضابط بعدها يوجه طارق المسدس نحوه بعينٍ واحدةٍ  باكيةٍ: “أنا آسف” ويطلق على نفسهِ النّار.

اترك تعليقاً