عالمين

الثانية عشر، منتصف الليل وقد فُتحت نافذة الغرفة فطغى الهواء فيها، وبالطبع صاحبنا مُلقى على أريكته غارق في نومه منذ عصر اليوم لن يستطيع مقاومة نفسه والقيام ليحجم مصدر تلك البرودة؛ فقد أمضى نهاره نائمًا بعد سهرته الليلية التي لا يتلحلح فيها عن مكانه، حتى أنه لم يتمالك نفسه من السير خطوتين إلى الفراش، فاستلقى على أريكته التي باتت مؤخرًا محل إقامته.

وبعد مراوغة نفسه لمدة دامت أكثر من ساعتين نهض وأغلق النافذة ولكنه اصطدم لدى عودته بمرآة. أخذ يستدعي ذاكرته كيف أتت تلك المرآة. فأهل البيت يعلمون جيدًا أنه يكره وجود مرآة معه في الغرفة، وليست المرآة وحسب، بل يكره وجود أشخاص معه في الغرفة من الأساس.


و بعد تركيز تذكر أن تلك المرآة أدخلتها أمه صباحاً للتنظيف، ثم كاد أن ينصرف حتى تشبثت عيناه بالمرآة وكأنهما تستغيثان بها، فَهُمَا كالفحم تمامًا في احمرارهما، وفي سواد أسفلهما.
هذه المرة لم يعاند عينيه، استسلم ونظر إلى حاله..

يا الله أين ذاك الشاب الوسيم صافي الوجه بريء الملامح؟ أين أنا؟
من ذاك الشاب شاحب اللون عبوس الوجه، وما هذا السواد تحت عيني؟ 
وقَبَعَ على الأرض أمامها يتحسر على نفسه، كيف تحول ذاك الشاب إلى كائن يشبه عجوز في التسعين في هذيانه، نحيف الجسم، باهت الملامح، متوحد الطبع!


راح بذاكرته إلى ذلك اليوم المشؤوم، عندما دخل على صديقه في يومٍ من الأيام ووجده مُمسِكاً بالهاتف يتصفح على الفيسبوك وبيده الأخرى سيجارة، تذبذبت نفسه لتلك الفعلة، ولكنها أثارت شيئًا من اللهفة والرغبة في خوض تلك التجربة.

مرت الأيام وأخذ يتردد على زميله ويتكرر ذلك المشهد، وكلما ألفت عيناه واعتاد على ذلك المنظر، قل استيائه، إلى أن ارتد ضميره و قرر أن يخوض تلك التجربة. لم يكن يعلم أن تلك التجربة ستقلب حياته رأسًا على عقب وصاغتها كبيت العنكبوت -أهون البيوت-، ولكن الهوى و ما يشتهيه، والنفس وما ترغب.

تذكر مراحل تطور إدمان صديقه من سيجارة إلى حشيش ثم هيروين، وكذلك تطورات إدمانه هو الآخر. كان الناس يرون أنه ضحية صديقه، فصاحبه هو منبت فساده، هطلت النصائح عليه بالابتعاد عن صديقه حتى يعود إلى رشده. ولكن الغريب أن الآن الوضع تبدل، فقد شُفى صديقه من الإدمان وتحسنت حياته.
أما صاحبنا لا، لم يُشفى بعد، استعجب في نفسه، فكيف بشخص يتعافى قبل آخر وهو الأسبق في الإدمان! أيعقل أن إدمان “السوشيال ميديا” أخطر من إدمان المخدرات!


راح بذاكرته إلى ذلك اليوم المشؤوم، عندما دخل على صديقه في يومٍ من الأيام ووجده مُمسِكاً بالهاتف يتصفح “الفيسبوك” وبيده الأخرى سيجارة.

بالطبع عندما رأى السيجارة تردد في أذنه كلام أهله، فالسيجارة تعد خطيئة في عرف المجتمع، ظلم للنفس في علم الطب، إثم في نظر الدين. ولكن لم يقل له أحد أن كما السيجارة مخدرة للعقل، مهدرة للصحة، لهو في الدين، كذلك “السوشيال ميديا” مُخدرة للجسم مهدرة للوقت والمال، لهو في الدين، ومن ثم فهي سُقم في علم الطب، و ذنبٌ في نظر الدين أيضاً.

لم تشد السيجارة انتباهه لأنها شر معروف نهايته، بل جذبه ذاك “الفيسبوك” المفيد الممتنع.

لقد أدرك أن “السوشيال ميديا” لم تدمر أجهزته الفسيولوجية فحسب، بل دمرت نفسه وحياته وعلاقته بأهله وأصدقائه. لقد أصبح متوحدًا، يكره النور، يهوى العزلة، لا يطيق أن يأمره أحد لمجرد أنه سيغلق الهاتف لبضع لحظات. فقد تحول من شخص واقعي مُنجز في عمله ناجح في علاقاته إلى شيء أشبه بالـ “روبوت” لا يهمه سوى كسب عدد “لايكات” وتعليقات يخشى كسادها.

الغريب أنه لم يكن في عرف المجتمع مدمن، فإدمان العقاقير تعد الصورة الوحيدة والأخطر من الإدمان، أما فيما عدا ذلك فهي مجرد نزوة. الحقيقة أنه لم يكن هناك شيء يفرقه عن صديقه، فكلامها سارا في طريق الإدمان.

غرق في فكره يطرح أسئلة على نفسه ويَوَد إيجاد إجابات لها: ما الفائدة من متابعة “البلوجر” ومعرفة مُحتويات منزلها الجديد وما لونها المفضل و “مقلب يلا نفاجيء صاحبتي ونشوف رد فعلها” !


ما العائد عليه من معرفة أخر “تريند”؟
ماذا سيستفيد عندما يُري أصدقاءه الوهميين “شرابه الجديد برسمة البطيخ” و “روتين شعره” وجمال وجبة “الإندومي بالشيتوس”؟
آهٍ، قد ظن صاحبنا أنه لن يتأثر ولن يغار مما في أيدي غيره في هذا العالم الوهمي.


لكن دعنا نراه الآن..
يحقد على صاحبه الذي يتابعه ستون ألفاً على “إنستجرام” وتنهال عليه عروض الشركات ليعرض منتجاتهم في “ستوري”.


يحسد صديقه الذي ينشر كل يوم إنجاز -غالباً بلا فائدة- وإذا بالـ “لايكات والـ “كومنتات” والـ “شير” والـ”إيموچيز” تنهال عليه من كل صوب.
ويطّلع على آخر ويرى علاقته المثالية بأمه،
وآخر وعلاقاته الكثيرة “ببنات دفعته”،
وصديقه الثالث ترتيبه الأول على دفعته.
وينظر لآخرين قد فاتُوه بمراحل كثيرة في تعلم البرمجة،
وقريبه الذي هاجر إلى أوروبا وهو ينشر كل يومٍ رحلته في مكان مختلف بعنوان” إزاي تلف أوروبا بمائة دولار فقط”.

يا لها من مسافة طويلة وفروق ظاهرية، جعلته يسخط على حاله وما وصل إليه!
ويا له من فردٍ كسول كلما سخط على حاله أو غار من أحدهم، يغلبه خموله أكثر، وتستولى عليه بلاهته وضغينة قلبه، ليظل يفكر في الناس وما لديهم من نعم، أو بمعنى أدق ما يظهرونه له من حالهم، فكلٌ منا في عالمه الافتراضي، ينتقي بعناية ما يود أن يظهره للعالم عن نفسه، والأغلب يختار أن يظهر الجميل، الانتصار الانتصار فقط!

حتى يظن ضعاف النفوس وأقلها سكينة أن أحدهم لا يعرف طعمًا للمعاناة في حياته، وأنه يتقلب في النعيم حتى يملّه. وهؤلاء الضعاف أيضًا -وهم في غفلتهم- محشورين في حيوات الآخرين، يجحدون نعم القدير عليهم، لا تكتنفهم لذة النعمة والإيمان كغيرهم؛ لأنهم تجاهلوا -بلا شك- هذه النعم وتناسوها.

فاق من شروده على صوت كركبة أمه وهي آوية إلى فراشها، لتفتح “الراديو” على صوت شيخ إذاعة القرآن الكريم:

” وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ.”

1 thought on “عالمين”

اترك تعليقاً