ظلمة القدر

ثلاث دقائق فقط يفصلانه عن آخر زفير. كان من المؤسِف أن يعلم أن هذه ستكون آخر مرة يُدخِن فيها. و ما هو أكثر حزنًا أن عود السيجار الذي يحترق هذا كان عبارة عن الوقت المتبقي لانتهاء حياته للأبد. كان في هذه الثواني المعدودة يسأل نفسه، كيف لرجل عاش طوال حياته ليرى المجرمين في موقفه هذا أن يصبح هو في هذا الموقف. كيف للأحلام أن تتبدد في نفس اللحظة التي تبدأ فيها؟ و كيف يموت المرء دون أن يخبره ضميره ماذا سيكون المصير، هل سيكون الجنة أم النار؟ 

 في بيت تملؤه الرتب العسكرية، ينشأ أكرم أحمد المصري ليخالف تلك الوتيرة ويتمسك بحلمه. كان صوته العذب سببًا في تحقيقه لما يريد وسببًا أيضًا في توتر صلته بعائلته. أبى أن يكمل تلك المسيرة وأبوا أيضًا أن يشعروه بانتمائه لهم فحاوطته الوحدة رغم حشود حوله تهتف باسمه، لكنهم ليسوا عائلته ولن يكونوا. نشأت بينه وبينهم فجوة تتسع بإهمالهم له وانشغالهم فقط بأخيه رائد كلية الشرطة. فهو الابن البار الذي يحمل لقب العائلة ومهنتها أيضًا. فجوة جعلته يرفضهم تمام الرفض. حتى عند تخرج الأخ الأكبر ورغم فخره الشديد به وحبه الخفي له لأنهم في نهاية الأمر أخوة، لم يُظهِر له أبدًا ذلك الفخر والإعجاب، وكيف يفخر بمن رفضه وكيف يفخر بمنصب لطالما حمل له كل معاني البغض. رفض عائلته له لانحرافه عن مسارهم جعله يكره تلك المهنة ومن يمتهنها. لكن ذلك لم يوقفه عن تحقيق ما حلم به طويلاً.

 لم يكن رفضهم عائق أمام صوته العذب وكلماته الرقيقة بل كان شعوره بالوحدة سببًا في نجاحه. ذلك الشعور وليد تعاملهم معه كان سببًا في احتشاد الآلاف حوله يهتفون باسمه ولكن لم تكن تلك الشهرة علاجًا لوحدته الذي ظل يبحث عنه طيلة حياته، تلك الوحدة التي عانى منها طويلًا حتى أصبحت كشرنقة حوله لم يستطع الخروج منها، أصبح خائفًا من أن يُرفض مجددًا فلم يسمح لأحد بالاقتراب منه. رغم معاناته من الوحدة ورفضه لها،  لم يستطع أكرم مساعدة نفسه في الخروج من تلك الشرنقة وظل أسير الوحدة الإجبارية حتى أنه في المرة الوحيدة التي وجد فيها صديقًا حقيقيًا يشغل وحدته تلك، هرب وتركه، تركه دون رحمة. حتى مساعدة صديقه له في تحقيق حلم الطفولة لم تكن شفاعة لتركه. لم يبالِ كيف سيراه صديقه ولم يبالِ بأنه بهروبه شكل نوعًا من أنواع الرفض للصديق المسكين وفجأة وجد نفسه يكرر ما فعلته معه عائلته. حينها علم أنه لن يهرب من وحدته أبدًا وأنه رغمًا عنه تحول إلى من كانوا سببًا فيما يحدث له دون أن يشعر.

كانت العائلة كلها مجتمعة، الأهل و الأصدقاء على أتم الاستعداد لذلك اليوم. يوم فريد كهذا كان لابد أن يكون على مستوى الحدث. الملازم أول مراد أحمد المصري تم ترقيته ليصبح نقيبًا. في وسط هذه الأجواء كانت الأم تبحث عن ابنها الأصغر الذي خرج صباحاً كالعادة و سيرجع في فترة متأخرة من الليل.

 – مراد، ماشوفتش أخوك أكرم؟!

– يا ماما معقول يوم مهم زي ده يتأخر الفترة دي كلها؟ .. لا ماشوفتوش.

كان الحفل ممتلئ بقيادات عليا من الشرطة، و منهم كان الرائد كمال المصري، وعم مراد أيضاً. استمر الحفل لمدة أربع ساعات متواصلة دون أن يأتي أكرم. 

انتهى الحفل و بعد رحيل جميع الحضور حدث شيئًا جعل مراد متفاجئ لبقية اليوم؛ بعدما رحل الزائرون، اجتمع الرائد كمال مع مراد و كان معهم بعض القيادات الأخرى. 

قال كمال: في وقت زي ده، المفروض تكون برة البلد.

– لية يا فندم، خير اية اللي حصل.

احنا خسرنا القضية النهاردة الصبح، و أنا مش ضامن تصرف حليم هيكون اية.

– ازاي كدة، كل المستندات بتقول أنه متهرب من الضرائب.

متنساش يا حضرة النقيب أنها مستندات غير صحيحة.

– أنا مش هينفع أهرب دلوقتي خالص، أكيد فيه حل تاني.

فيه بس مش مضمون، أنت عارف إن حليم عنده علاقات كتير مع الجمعيات الخيرية، أعتقد تهمة النصب و الاحتيال هتكون أسهل حاجة ممكن نعملها حاليًا. 

– طب اية الدليل على التهمة دي ؟!

مستندات تانية بتثبت أنه بيسرق الناس و بيطلع فلوسهم لبنوك أجنبية، مش بيوديها للناس المحتاجة يعني. هيطلع من القضية دي برده بس هيكون معانا وقت كويس علشان تلحق تسافر برة البلد.

ارتسمت على وجه مراد مشاعر الدهشة مع الخوف معاً. كان الخوف من الفقدان هو ما يشغل باله دائماً. في ذلك اليوم ليلًا، سرح في سماء خياله و أخذ يتوقع أسوأ ما يمكن أن يحدث. أن يفقد أخًا عزيزًا له بسبب الأنانية على الرغم من المحبة الشديدة له في قلبه. أن يفقد عملاً لطالما اجتهد كثيراً لكي يتنعم بمزاياه و يستغله في أذية الناس بدلاً من نفعهم.

****** 

في أطراف المدينة، جلس حليم على قمة التل ناظرًا لمنظر تصادم البحر في الصخور بشدة جارفة إياها مع التيار. كان داخله مليئًا بالصراعات. جلس محدثًا ذاته بكل أنواع الترهات، كان يصرخ، صرخ بشدة و دوى صدى صوته في الأرجاء. صرخ بشدة في كل شيء ومحدثًا كل أنواع الطبيعة من حوله في جنون؛ كان محدثًا نفسه قائلًا بأنه المغفل! المغفل الذي أفنى ذاته في الدفاع عمن لا يستحقون. كان يريد فقط إنقاذ الجميع، وانتهى به الأمر بتدميرهم، وتدمير نفسه.

كان يظن أن لديه من قوى ما يسمح له بنعت ذاته “خارقًا”، ولكنه تحول ليكون “أخرقًا” بدلًا من ذلك؛ أراد فقط أن يساعد في تحقيق العدالة، أراد أن يشعر بذاته ويحقق طموحه الدفين في أن يكون ذا أثر وقد ظن أن مساعدة أخو صديقه المقرب ستحقق له ما كان يأمله طوال حياته ولكنه كان مخطئًا.

ساعده مرة في القبض على ذلك اللص، وساعده مجددًا في قضية التزوير تلك، وساعده مرة أخرى في إيجاد ذلك الهارب من العدالة؛ ولكنه أصبح يعلم الكثير عن أسرار تلك المنظومة مما جعله هدفًا للتخلص منه وقتل تلك الأسرار معه إن لم يبتعد عن عملهم هذا، فكان تحذير مراد له نابعًا من آخر ذرات احترامه لصديق أخيه!

“انت لو مكنتش آخر خيط رابطني باخويا مكنش ده هيكون تصرفي معاك! ابعد يا حليم، ابعد عشان متخسرش كل حاجة”

كان حليم دائم الظن بأن الأسوأ على وشك الحدوث.. كان طفلًا يلامس الزهور فتموت.. يتأمل السماء فتمتلئ بالغيوم، ويتأمل حاله فيسقط إلى الحضيض. كبر كأحمق يظن أن تنبؤاته تلك حقيقة وأن كل شيء سيصبح بخير، وأنه يستطيع إنقاذ الجميع.

استمر في السعي من أجل تحقيق أحلام صديقه المقرب الوحيد، وعندما حقق حلمه، تركه واستمر في إنجازه من دونه. حاول أيضًا مساعدة الشرطة، وبعد أيام من المساعدة، تم تحذيره من عرقلة العدالة و اتهامه في قضايا تهرب ضريبي ملفقة! مهددًا إياه بحياة أخيه الوحيد! وعندما رفض الخضوع، سلبوا منه حياة الأخ والرفيق الوحيد له.

 تخلت عنه عائلته، وبلده، وعالمه، ونفسه. و الآن في خضم ذلك الصراع القوي مع نفسه، يحاول إيجاد نفسه التي تاهت في طياته!

وأخيرًا، هدأ صراعه الداخلي وتنفس بعمق ليمحو كل تلك الذكريات من عقله؛ الذكريات التي لم تحدث من الأساس سوى في ذلك العقل المضطرب. صرخ حليم صرخته الأخيرة! صرخ بجملة تردد صداها في الأرجاء! قال “انا نجحت! أنا أنقذتهم كلهم!”.

ظن أنه أخيرًا ساعد الجميع وأنقذهم بقواه الخارقة الموجودة فقط داخل عقله الذي فقده. تنبأ بالأسوأ كعادته ورأى كل تلك الأحداث المجنونة تحدث في مستقبله القريب فرأى أمه تتركه، ومحبوبته تهجره، وصديقه يخذله، و الرجل يعنفه، والشرطي يستهين به ويدمر حياته، وذاته تضيق الخناق عليه؛ تنبأ بكل شيء فظن أنه يستطيع منع كل شيء قبل حدوثه وإنقاذهم جميعًا.

ف قام بدعوة مراد الذي لم يفعل سوى سحب رخصته ليظهر في حلة الشرطي الدؤوب مسببًا في ذلك تخيل حليم له كطاغي ليس لـشره حدود. و قام بدعوة أكرم الذي كان يتعامل مع مشاكله الخاصة مشكلًا ذاته في خيال حليم على أنه أسوأ نسخة من البشر. و دعا اللواء كمال الذي لم يقابله سوى بضع مرات ولكن تنبؤاته أثبتت شره الخفي! دعاهم جميعًا لأنه أراد إنقاذهم من مستقبلهم شديد السواد.

قام بدعوة كل شخص من تنبؤاته، قام بتخديرهم جميعًا، والآن هو يقف على تلك التلة وجميعهم راقدين حوله.  تسيل منهم الدماء! جميعهم أجساد بلا روح. كلٌ منهم كان يعاني المعاناة التي جعلتهم يؤذون أنفسهم ويؤذوا من حولهم ايضًا عدا مراد الذي لم يجد لما فعله معه تفسيرً سوى الأنانية كان يفكر في نفسه فقط حتى لو كان على حساب الآخرين ، فتركه مكبلًا ولم يقتله ليزول أثر المخدر ويفيق ويجد جثة أخيه أمامه فيفقد شعوره ويصرخ بشدة وحليم يقف مستمتعًا بصراخه فقد كان ينوي تعذيبه قبل قتله عقابًا على فعلته غير المبررة ولكنه وجد أن هذا أنسب عقاب أن يفقد أخاه وهو غير قادر على الحراك.

-صدقني كنت عايز انقذك في هدوء انت كمان بس الي عملته معايا واللي كنت هتعمله من غير مبرر خلاني عايز انتقم الأول وخلاص عملت كدة بس انا هكلمك بلغتك اللي تفهمها ومش هقتلك على طول هبقى ديموقراطي وأسيبك تطلب آخر طلب قبل ما تموت عايز اي قبل ما تموت يا مراد؟

_ عايز سيجارة .

انتهى السيجار وانتهى اليوم على دقات الثانية عشر في ساعته وانتهت حياته أيضًا بعد أن طعنه حليم ليبدأ يوم جديد بلا عذاب. فقد ظن حليم أنه أنقذ الجميع وأنقذ نفسه، وأصبح خارقًا مجددًا؛ وجد ذاته، وجد أخيرًا من يكون هو! إنه حليم! الذي انفجر شره عندما غضب.

يظن أن لديه رسالة الآن ! سينقذ الجميع ولن يخذله أحد مجددًا. قرر أنه سيقوم باستكمال مهماته الخارقة لأن مسئوليات الأبطال تكمن في إنقاذ الجميع! فماذا إن كان فناء الجميع هو الطريق لإنقاذهم؟ 

 تتضمن مسئوليات البطل الخارق إنقاذ الجميع، ولكنه لم ينقذ ذاته بعد! ها هي السكين التي طعن بها الجميع، يستلقي بجانبه مراد الشرير في قصة نسجها خياله، وحبيبته التي كادت أن تهجره في تنبؤاته، وصديقه الذي تركه في أمس حاجته إليه، و أي شخص آخر قام باعتراض طريقه أو كان ينوي اعتراضه. كانت طعنة جيدة تمامًا في منتصف قلبه.. يسيل دمه، و يغمره السواد. يشعر بالسراب من حوله، و الآن يمكنه الجزم بأنه،

أنقذ الجميع.

1 thought on “ظلمة القدر”

اترك تعليقاً