شموع

هل فكرت يومًا بحياة بلا أضواء؟ ليس في عصر ما قبل الكهرباء، ولا ما قبل المصابيح الزيتية، ولا شموع، بل قبل إكتشاف الإنسان للنار حتى.. حقًا كيف كانوا يعيشون؟

إن نظرنا لحياتنا الآن سنجد أن الضوء بالنسبة لنا كالماء والهواء، لن يستطيع أيًا منا العيش دون إنارة، ولكن.. الشموع ظلت الأقرب لنا بالرغم من التطور في وسائل الإنارة.

الشمعة لا تمثل الإنارة فقط، بل أكثر بكثير، الرومانسية، الهدوء، أو ربما تمثل لك فترة إنقطاع الكهرباء!

ولكن دعونا ننظر بقرب لدورة حياة الشمعة، أولًا توضع وهي سائلة في قالب ليحدد هيئتها، إن كان قالب ذو شكل فسيعلي هذا من قيمتها، وإن كان مصمطًا أو “عاديًا” ستجدها حولك تُباع بأزهد الأسعار.. ثم تشتريها، وتبدأ في إستعمالها كما تريد، تارة لتضئ لك، وتارة لتريح عينيك من الإضاءة الكهربية، وتارة لتهدأ برائحتها بعد يوم عمل عصيب، إلى آخره… إلى أن توشك على الإنتهاء، ويخفت ضوئها، تذهب مجددًا إلى بائع الشموع لتشتري غيرها، ربما تكون أفضل هذه المرة…

هكذا نحن يا عزيزي، هذه هي طبيعة البشر في كل شيء، نستهلك ونستهلك حتى نُنفذ كل ما وُهب لنا، وكأن طبيعتنا البشرية أعطتنا إجازة تُمكننا من استنزاف كل ما أُتيح لنا. حتى البشر، نستنزف أعز أصدقائنا حتى ينطفئ، فنمَل ونبدأ بإتهامات سخيفه كعَد الإهتمام ونجد لأنفسنا ألف عذر حتى نعثر على غيره…

إن عُدنا إلى عصر ما قبل الشموع، والنار أصلًا، سنجد أن طبيعتنا البشرية كانت طاغية أيضًا. إنسان الكهف كان من الممكن أن يفعل أي شيء في سبيل تأمين مسكن وطعام. ومن هنا بدأت اللعنة، اللعنة التي لعننا أنفسنا بها بحجة الطبيعة البشرية. ولكن يا عزيزي تذكر، نحن مَن نُحدد طبيعتنا وطباعنا. ولكن الأمر ليس بهذه السهولة، دعونا نبدأ من البداية، الطفولة..

في الثانية من العمر تبدأ عقولنا في مرحلة تسمى بعدم التوازن، حيث يبدأ تشكيل الجانب النفسي والإنفعالي في شخصياتنا، ويبدأ تكوين جوانب شخصياتنا.

مفهوم الذات

في البداية ينشأ لدينا مفهوم الذات وهو ببساطة المحرك الأساسي لتصرفاتنا، في هذا العمر يتعامل الطفل حسب هذا المفهوم وليس بحسب قدراته الفعلية..

وينشأ هذا المفهوم عن طريق ما يُسمى ب “مرآة المجتمع”. فالطفل سيصدق كل ما تقول له عن نفسه، إن نعته بالجمال فسيرى نفسه جميلًا، والعكس. ومع زيادة أعمارنا تبدأ عقولنا في تخصيص مفهومنا للذات بحسب المواقف التي نوضع بها.

إدراك الذات

نبدأ في هذا العمر(من العام الثاني إلى الخامس) في إدراك اختلافنا عن مَن حولنا، الإختلاف في النوع مثلًا.. فيبدأ الطفل في الإقتراب من والده حيث يشعر بأنه مماثل له في النوع. وكذلك الطفلة تقترب من أمها حيث تجد أنها تشبهها في هويتها. ولهذه المرحلة دور مهم في تكوين الشخصية، حيث ستُحدَّد الهوية الجنسية للطفل وهي: “هي إعتزاز الطفل وافتخـاره بجنـسه بعدما يدرك نفسه إدراكًا كاملًا، فنجد أن الولد يتفاخر بأنه ولد ويشعر بالغضب عندما يُوهم بأنه بنـت، ممـا يلاحظ في الحياة اليومية نتيجة ظهور هذه الهوية ما يسمى بالفصل الذاتي، حيث ينفصل الأولاد عن البنات في اللعب ويشكل كل منهم مجموعة لنفسه من ذوات أنفسهم “.

وفي هذه المرحلة يتعلم الطفل العديد من الانفعالات والمشاعر المهمة، والحَرجة، حيث سيتعلم كيفية التعامل مع هذه المشاعر، وهو بدوره سيلعب الدور الأكبر في تكوين شخصيته. ويتعلم الطفل في هذه المرحلة مشاعر كالغضب والخوف والغيرة؛ مما يساعده في تشكيل سلوكه…

وهنا ندرك أن نظرات الشخص ووجهات نظره وسلوكياته تتكون في طفولته، مع بداية إدراكه. لذلك نتأثر جميعنا بطباع أهلنا، وكثير منا يصبح “نسخة طبق الأصل” من والديه مع مرور الوقت، فتضع عقولنا هذه الطباع والسلوكيات تحت بند الطبيعة البشرية أو الفطرة

ولكن هل هذا دائم؟ لا.. كل هذا سيتغير في مرحلة المراهقة..

المراهقة

هي العمر الفاصل بين الطفولة والرشد، وذلك في الفترة العمرية المُمتدة من سن 13 إلى 25 وقد يختلف سن بدايتها ونهايتها من شخص إلى آخر. تعتبر هذه المرحلة كميلاد جديد للفرد. بالرغم من كونها فترة حرجة جدًا في حياتنا، إلا أنها فرصتنا، لنغير طباعنا، ونصبح نسخًا أفضل من أنفسنا، لنخرج منها مٌكتملين نفسيًا وعقليًا..

النمو الإجتماعي

النمو الإجتماعي من أهم مظاهر النمو في فترة المراهقة. بالطبع يتأثر النمو الإجتماعي في فترة المراهقة بالتنشئة الإجتماعية والمفاهيم الأسرية كما في الطفولة، ولكن المميز هنا هو تأثره بالنضج.

في هذه المرحلة يُدرك الإنسان العلاقات القائمة بينه وبين الأفراد الآخرين ويرى آثار سلوكياته على هذه العلاقات، مما يدفعه إلى تقويم سلوكه وتغيير شخصيته.. ومع إتساع دائرته الإجتماعية يبدأ في التعرف على مسئولياته تجاه أفراد مجتمعه، ويبدأ في إدراك حقوقه وواجباته..

في هذه المرحلة يا عزيزي ستحدد أنت مصيرك بنفسك. كلماتي القادمة موجهه لك، إن كنت في مرحلة المراهقة -وأنا أعلم أن معظمكم كذلك-…

في عمرنا هذا سنحدد نحن حياتنا القادمة، ستقرر هل ستكون الشمعة أم شاريها؟ أم ستتمرد على هذا النظام المؤذي وتتبع سلوكًا سويًا.. أفهم حقوقك جيدًا، ولكن لن تنال أي منها دون القيام بواجباتك، تجاه أسرتك وأصدقاءك وكل شخص يمر بحياتك مهما كان دوره..

مرحلة الشباب هي فرصتنا لنحصل على حياة سوية.. وأعلم أن “من شبً على شيء شاب عليه”، قوم نفسك بما تراه صواب، ولكن تذكر دائمًا.. البشر ليسوا شموعًا

2 thoughts on “شموع”

اترك رداً على Mohammed Yasser إلغاء الرد