شفشاون

من كل يوم تلقي أشعة الشمس خيوطها الذهبية في التاسعة صباحًا على متجر “الجميل للحيوانات الأليفة” حيث يقضي العم جميل المسن وقته في إطعام الحيوانات وقراءة الجرائد والاستماع لصوت فيروز القادم من المذياع، إلى أن يقطعه من تأملاته وروتينه صوت الجرس المعلق أعلى باب المتجر مُعلناً عن قدوم زبون جديد. فينهض جميل من خلف مكتبه ليكشف عن ضَآلَتِهِ ككرة صلعاء تقابل زبائنها بابتسامة واسعة وعيون خضراء تلمع من الفرح كلما باع جروًا أو عصفورَ كناري. وبعد الظهيرة يزداد اتساع ابتسامته، وتلمع عيناه أكثر عندما تزوره صديقته الثرثارة العشرينية نانسي.

دلفت نانسي إلى المتجر وكعادتها بدأت بمداعبة القطط وهي تثرثر عن مغامراتها أثناء بيعها كعك العنب وبسكويت الشوكولاتة داخل عربات المترو، وفي أحياء وسط البلد.

نظر جميل لصورة ابنته الشابة فوق مكتبه بينما كان يغلف صناديق الكعك والبسكويت ثم رمق نانسي طويلة القامة سمراء البشرة بغطاء شعرها الأسود بنظرة حزينة عطوفة قائلاً: “حلوة البلوزة دي”. 

شرعت نانسي في الثرثرة: “عجبتك؟ جديدة، اشتريتها في الخصومات.. أممم حلوة أوي ريحة البسكويت!”

مد لها جميل صندوق البسكويت: “معمول بكل حب!”

تناولت نانسي صناديق البسكويت التي قام جميل بخبزها صباحاً وشرعت في طريقها لبيعها.

في منتصف الليل رن هاتف نانسي، قد كانت إحدى زبائنها تطلب منها أن تقابلها عند كوبري قصر النيل لتشتري منها صندوق بسكويت. ذهبت نانسي فوراً إلى هناك وانتظرت مجيء زبونتها، فوقفت أمام النيل شاردةً في أفكارها، تشارك النيل معاناتها وأحلامها بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه سوى نفسها والنيل:

“يا ترى بكرة هبقى إيه وهبقي فين؟ إيه اللي المستقبل مخبهولي؟ هل في يوم هتبتسم ليا الحياة وأقدر أوصل لحلمي اللي بتمناه بقالي سنين؟!”

قاطع تفكيرها صوت بجانبها: “أنتِ كويسة؟” 

التفتت نانسي إلى الصوت فرأت سيدة ثلاثينية، متوسطة القامة، توحي ثيابها وتصفيفة شعرها البني القصير بالوقار والكاريزما.

أجابت نانسي: “أه أه أنا كويسة جداً، كنت بس سرحانة بفكر في المستقبل”. ثم أظهرت صناديق الكعك والبسكويت للسيدة، وقامت بإعطائها ما طلبته، ضحكت السيدة وقالت:

-“مستقبل! المستقبل حلو لينا وليكي يا حبيبتي، على العموم شكراً جداً يا نانسي، حقيقي البسكوت دا ساحر وقادر يغير حال الواحد فعلاً، أنا حقيقي لسه مش مستوعبة إزاي بيقدر يعمل دا!”

ردت نانسي : “حضرتك عارفة بقى، عم جميل وهو بيعمل البسكوت بيحط فيه شوية حشيش وده اللي بيخلي الناس تحس براحة البال والسعادة.”

لمعت عيون المذيعة وشعرت أن الحظ حليفها؛ فقد ألهمها تواً حدسها الإعلامي أن هذه الكلمات لو سمعها عامة الناس لأثارت جدلاً لا نهاية له؛ وهذا ما تحتاجه تماماً لخلق حلقة تلفزيونية أكثر من رائعة لتزداد شهرتها.
فقالت المذيعة بخبث: “طيب بصي أنا أصلاً بشتغل مذيعة في التليفزيون وكويس جداً إنك قولتيلي عشان أقدر أساعدك توصلي لمستقبل كويس!”

 ردت نانسي بفرح: “بجد! الحمد لله يارب الحمد لله، حضرتك تأمريني بأيه؟” 

“أنا هستضيفك في البرنامج بتاعي، تحت حمايتي أنا، وأنتِ هتقولي كل حاجة من أول ما بدأتي تشتغلي مع الأستاذ جميل وعن حلمك اللي نفسك توصليله والباقي سيبيه عليا..”.

قاطعتها نانسي بنبرة خائفة: “بس ثانية إفرض حد شافني واتقبض عليا، ولا حد قبض على عم جميل؟!: 

أجابت المذيعة بثقة: “قولت لك تحت حمايتي، ما تقلقيش خالص، ومتخافيش وشك مش هيظهر ولا عم جميل حد هيوصله. أنا معايا رقمك، هكلمك بكره الصبح بدري عشان نجهزك للبرنامج، يلا أشوفك بكره.”

أنهت المذيعة جملتها؛ فاطمأنت نانسي وطار قلبها من الفرح، ثم مضت كلٌ منهما في طريقها.

*****

وفي مقابلة على الهواء مباشرة بعد تسويق جيد، تحدثت نانسي أمام الشاشة، ووراء الشاشة كانت نسب المشاهدة عشرات الملايين من الأشخاص.

“عم جميل ده راجل جميل أوي، ومثقف وشاطر أوي أوي، هو مكانش عايز يأذي حد ولا يخلي حد يبقى شخص مش كويس، بالعكس هو كان دايمًا عايز الناس تضحك.”

-“يقوم يحطلهم حشيش في الكيكة والبسكوت يا نانسي؟”

-“هو مش بيحط نسبة تخلي الناس مدمنة ولا تخليهم يفقدوا وعيهم ولا حاجة، ده دارس النسبة المثالية اللي ممكن تخلي الناس مبسوطة بس، يعني أي حد بيبقى يومه صعب، أو في مشاكل وزعلان شوية، بيتصل بيا أروحله بطبق كيكة، بياكله وينسى كل المشاكل دي ويبقى مبسوط، وبعدين أحسن بكتير ما يدخن الحشيش ده.”

-“طيب هي فكرة بس يعني عمر ما حد بقى مدمن؟”

-“لا خالص، بالعكس الناس بتشتري كميات معقولة بس.”

-“طيب هو بدأ يعمل كده ليه؟”

-“هو حكالي، مراته وبنته ماتوا في حادثة، هما كانوا أغلى حاجة في حياته، وقعد زعلان عليهم كتير أوي، وبدأ يتجه لسكة الحشيش والمخدرات، بس هو برده كان راجل فاهم، عارف أن اللي بيعمله غلط، قرأ عن استخدامات الحشيش، وبعدين عرف أنه ممكن يستخدمه بطريقة كويسة، ومن هنا بدأ الشغل بتاعه.”

-“طب وأنتِ يا نانسي؟ ديلر؟ بنت وديلر إزاي بس؟”

-“أنا أصلاً، عايزة أعمل شغل خاص ليا، أنا مش مجرد بياعة في الشارع، بس مش معايا فلوس طبعًا، عم جميل لقاني في مرة ببيع ورد وعطور، قعد يكلمني عن نوع الورد اللي ببيعه، هو مكانش ورد بلدي، كان ورد أنا اللي زارعاه وبعمل منه العطور دي، فقعدنا نتكلم وبعدين قالي إني بفكره ببنته، وقالي أبيع الكيكة دي، وإزاي أعمل زباين لينا، وهو بيديني فلوس كويسة، وبحوش منها عشان أعمل الشغل بتاعي اللي بحلم بيه، بس لسه بدري برضوا.”

أدارت المذيعة رأسها نحو الكاميرا الرئيسية، ووجهت حديثها للجمهور:

-“أنا عايزة أعترف اعتراف دلوقتي، عارفة أن دي حاجة مش طبيعية تتقال على الهوا بس لازم أبقى صادقة معاكو، أنا من زباين عم جميل ونانسي، وعايزة أقول أن فعلاً الكيكة دي من أكتر الحاجات اللي بتساعدني نفسيًا، وكمان رحت عملت تحاليل عشان أشوف هي بتأثر عليا صحيًا ولا لأ، وملقتش أي تأثير سلبي، بالعكس.. كنت بتحسن صحيًا كمان، أتمنى بعد الحلقة دي الدولة تاخد إتجاه نحو تقنين الحشيش في الاستخدامات الصحية والنفسية زي الكيكة والبسكوت والشيكولاتة. هستنى رأيكو وتعليقاتكو على هاشتاج (#تقنين_الحشيش)، أشوفكوا الحلقة اللي جاية.”

*******

بعد عدة أيام أثارت تلك الحلقة الجدل بين جموع الشعب المصري والعربي، وتداولت بين مؤيدٍ ومعارض؛ حتى بدأت الدولة تفكر في التقنين، وقد ناقشت هذا المشروع في مجلس الشعب؛ مما أدى لتَشَاجُرِ العديد من الأشخاص وكلٌ منهم متعصبًا لرأيه، ومن بين هؤلاء كان أحدهم يناقش الشجار الذي دار بينه وبين حبيبته مع دكتور الحب.

-“بص يا دكتور، زي ما بقول لحضرتك كده، هي السبب، هي اللي نكدية.”

أنزل الدكتور نظارته من على عينيه البنيتين وتحدث بعصبية ساخرة جعلت خصلات شعره المصفف تهتز: “تقوم مأكلها حشيش!”

-“دي كيكة بالحشيش، مصر كلها دلوقتي بتاكلها ومطلعاها تريند.”

-“أيوة بس ده حشيش.”

كان يبدو وكأنه طبيب حقيقي حين قال الجملة السابقة، متناسيًا أنه من أعطى هذا اللقب لنفسه وهو يتحدث أمام ملايين الأشخاص على أحد منصات التواصل الاجتماعي، فقط لأنه يفهم الحب والعلاقات بشكل جيد، نتيجة علاقات كثيرة فاشلة مَرَّ بها في حياته.. أجابه الفتى الذي يدفع للدكتور مئتي جنيه في الساعة:

-“لا دي كيكة، بعدين بجد والله كل مرة كانت بتنكد عليا كنت باكل حتتين وببقى كويس ومش زعلان.”

-“فقررت تقطع باب الخناقات، وتأكلها هي حشيش بقى المرة دي.”

– “قامت متخانقة معايا، بجد مش عارف إيه ده!”

-“أنا اللي مش عارف مصر رايحة بينا على فين، الشعب كله دلوقتي بيتكلم في الحوار ده، أنا كنت عارف أنه هيجيبلي مشاكل.”

-“أيوة يعني أنا أعمل ايه دلوقتي؟ أصالحها إزاي البنت هتضيع مني.”

-“ادخل عليها بطبق حلويات شرقية، ولا بلاش لتكون فاكراك حاطط فيها حشيش برضوا، أنت روح قولها أنا آسف أنا هبطل سجاير وأصلي الفجر.”

-“مبشربش سجاير أنا.”

-“اه، حشيش بس، اسمع كلامي بقى.”

-“ولو مجابش نتيجة؟”

-“هاتلك حتتين كيكة من بتوع عم جميل وريح دماغك، دي بت نكدية أصلاً.”

-“يا دكتور بس أنا بحبها.”

-“يعم حب إيه وكلام فارغ إيه، الشغلانة دي مبقتش تأكل عيش خلاص، يلا امشي عشان عندي شغل تاني.”

خرج الشاب من المكتب وتبعه دكتور الحب إلى سيارته، متحركاً إلى منزل والديه حيث أعدت أمه وليمة احتفالاً بخِطْبَة أخته. وصل متأخراً، ولكن الجميع رحب به، وجلس يتناول معهم الطعام وهو يسليهم بقصصه، حتى قالت أمه:

“والله أنت عيل فاضي أنت والتيك توك بتاعك ده، مش عارفة أنا دكتور حب إيه وبتاع إيه، إلا ما شوفنالك عروسة ولا صاحبة ولا حتى اتكلمت معانا عن بنت حتى، عايزين نجوزك بقى يابني ونفرح بيك.”

أجابها بطريقة ساخرة معتادة تُظهر من عينيه كل الصدق في روحه وهو يقول:

“يا ماما انسي الكلام ده خالص، أنا بس بعمل الفيديوهات دي وفاتح المكتب ده عشان أكل العيش، إنما أنا مش مؤمن بفكرة الحب ده أصلاً، هاتي حتة مكرونة بشاميل كمان وروقي بس.”

1 thought on “شفشاون”

اترك تعليقاً