جواب القهوة

بين هامين؛ أولهما من أين سيأتي بمصاريف العلاج، وثانيهم من سيعتني به، يفكر عم حسين الذي يعمل كفرد أمن بأحد البنوك، ولكنه يمر بفترة هي الأصعب في حياته حيث أنه قد فقد زوجته العزيزة عليه منذ أشهر وقد شخص بمرض الفشل الكلوي. لقد عمل بالبنك طوال حياته وما تبقى ليس الكثير وسيحال إلى المعاش. لم يرزق بأولاد ليكونوا سندًا له في شيخوخته.

جلس عم حسين على القهوة بعد يوم عمل آخر يتحدث مع أحد زملائه العاملين بالبنك فبدأ زميله بالسؤال عليه:

-عامل ايه يا عم حسين؟

فكان رد عم حسين صاعق لزميله عندما علم بما يمر به. فقام بفتح موضوع سيغير من حياة عم حسين وقال:

– بص إحنا بقالنا فترة بنشتغل أنا وكام حد تاني شغلانة جانبية مع البنك لو حابب تزود من دخلك كلمني وأنا اشرحلك بالتفاصيل.

وأكمل الإثنان حديثهما المعتاد ولعب الدمنة ثم ذهب كل منهم إلى بيته وقضى عم حسين الليلة يفكر فيما يعمل صديقه ليزيد من دخله حيث عندما بدأ صديقه بالعمل في البنك كان يأتي إلى البنك مستخدمًا المواصلات، ولكنه في فترة قصيرة اشترى سيارة جديدة طراز السنة.

ومضت فترة وأصبح عم حسين في ضيقة مالية شديدة فكلم صديقه في الساعة الثانية عشر عن هذا العمل الجانبي فقال له صديقه أنه يعمل كوسيط بين بعض الشخصيات الهامة ومدير البنك حيث يوفر البنك عملية تبييض الأموال لهؤلاء الأشخاص فسأله عم حسين و ماذا سيفعل فرد عليه زميله أنه يريد أن يترك عنده ثلاث أو خمس حقائب ويريد أن يوصلهم معه البنك صباح ثاني يوم فوافق عم أحمد واتفق على ميعاد واستلم الشنط وأخذها معه في اليوم الثاني، وهو يسلمها إلى زميله بالبنك أعطاه زميله ظرف به ١٠ آلاف جنيه فلم يصدق عم حسين عينيه وأخبر زميله بأنه سيكمل معهم وأصبح عم أحمد يوصل حقائب مثل التي أوصلها كل ثلاث أسابيع.

كان يجلس عم حسين على القهوة مساء أحد الأيام عندما رأى أحد الشباب يشجع فريق ريال مدريد وقد اعتاد أن يرى هذا الفتى وحيدًا على القهوة وفي يده ورقة وقلم وعندما سأل عم حسين القهوجي علم أنه في كلية الهندسة فاقترب عم حسين من الفتى بعد انتهاء مباراة نهائي كأس دوري أبطال أوروبا في تمام الساعة الثانية عشر وسأله:

– هتكتب ايه النهاردة؟

فبدأ يحكي له..

يصعد إلى منزله في الطابق الرابع لیضع حقيبته بينما تصله نداءات أمه المتتالية “أنت جیت یا بشمھندس!”

فیتجاھلھا مبتسمًا بهدوء لیجلس على فراشه وقد أخرج حاسوبه لیباشر الكتابة ككل لیلة یقضیھا بمفرده عاجزًا عن العثور على أنیس لوحدته القاتمة، يمرر أصابعه بهدوء على لوحة المفاتیح وموضوع كتابته الدائم ھو قلبه المتحجر الذي فقد الرغبة تجاه كل شيء، الأیام المتتالية، الشمس والقمر، ضوضاء المدینة، أدراج سلم الجامعة، جمیعھا أشیاء تتكرر كل یوم دون حدوث أي تغییر، یباشر الكتابة كعادته بنداء إلى حبیبته التي ھجرته منذ أعوام بعد أن صنعت في قلبه مودة لا تنسى وربطت ذاتھا بركن ما في عقله وھي لا تغادره مھما اضطربت الأحوال كما فعلت في الحقیقة، “أشعر بالبؤس، الوحدة، الفتور، على الأقل أخبریني في رسالة قصیرة لن تستغرق من وقتك الكثیر، ما الذي یمكن أن أفعله لأكون الرجل المثالي في نظرك؟ یبدو لي أن كل الجھد والمشقة غیر كافیان، یبدو لي أنني حتى لست بكافٍ.” تصله أنغام أحد الأغاني القدیمة التي تناوبت على أذنه وذكرته بألم الھجران والوحدة التي اضطر أن یباغتھا بمفرده فیقشعر لھا جسده وتدمع لھا عیناه وكأنھا انتفاضة لشعوره الذي أصابته الرتابة فتضیف له بعض الإثارة فضلًا عن تحجره منذ وقت طویل، ینھض من فراشه ُمشعلًا إحدى سجائره لیقف أمام شرفة الغرفة التي تطل على بضعة أطفال یمررون الكرة ویصرخون في حماس إذا سجل أحدھم ھدفًا فیتمنى داخله بشدة لو قضي ساعة واحدة بین تلك الأجواء الطفولیة ویكون كل ھمه ألا یصرخ في وجھه أحد إذا تأخر في الوقت أو سدد الكرة في رأس أحد المارة، لسان حاله یقول “ما الذي حدث؟ لقد كنت شغوفًا راغبًا في اكتشاف العالم ومعرفة بشر العالم أجمع، والآن لا أقوى على الخروج من غرفتي. وبینما تبدو المحادثات القصیرة مستھلكة لطاقتي كصعود أحد الجبال، أرید عودة إلى ذاتي.. أريد راحة.

تدخل والدته الغرفة لتسأله إذا رغب في تناول الطعام مُكررة لقب بشمھندس فیرفض بوجهٍ قاتم لیعاود الجلوس علي فراشه وقد وقعت عیناه علي سترة فریقه المفضل “ریال مدرید” التي اشترتھا له دعاء حین رأته یغادر سریعًا بعد المدرسة حتى لا تفوته المباراة، وقتھا شعر بسعادة عارمة لم یشعر بھا منذ وقتٍ طویل أن يھتم أحد لأمره ويذكر تفاصیله، جلست إلى جواره وأخبرته أنه سیكون لاعب كرة قدم شھیر لیفاجئھا أنه یود أن یصبح كاتبًا، حتى أنھا ساعدته على الغش في اختبارات نھایة العام وأعانته على الحیاة لأعوام ملأ رأسھا فیھا بالشكوى من عائلته التي لا تكف عن الرغبة في إلحاقه بكلیة الھندسة ثم تركته ماحیة من رأسه مفھوم الحب والصداقة والونس، مستبدلة إیاه بوحدة قاتمة لا یجد مخرجًا منھا، دفن رأسه في وسادته وأجھش في البكاء لدقائق عدة متناسیًا ھموم الحیاة بأكملھا وكأنه یسحب روحه من المحیط إلي فضاء عیونه الدامعة، وصلته رسالة عبر تطبیق المسنچر من أحد أقاربه “مبتسألش ليه یا بشمھندس؟” لیتبعھا رسالة أخرى من إحدى المجموعات “نتیجة الفصل الدراسي الأول-الفرقة الثالثة كلیة التجارة” لیمحوھا سریعًا ویقرر أن یرتدي ملابسه لیشق طريقه إلى المقهى.

تعجب عم حسين من كلام الطالب وشعر بالأسى تجاهه وأحس أنه لم يجد طريقه بعد في الحياة ولكن شعر الطالب براحة لم يشعر بمثلها منذ زمن، واتفق كلاهما أنهما إذا تقابلا على القهوة يجلس كل منهم مع الآخر ليشربا الشاي ويتناقشا عن الحياة.

*****

يدوي صوت المنبه عاليًا معلنًا وصول الساعة السادسة صباحًا، تستيقظ بصعوبة فهي لم تنم جيدًا –ككل ليلة– فقد أصبح الأرق صديق لياليها الأوفى.

بثقل وفتور تنهض من سريرها، تستحم سريعًا، تبدل ملابسها، وتلملم خصلات شعرها بعشوائية، وتخفي تلك الظلال السوداء تحت عينيها بقليل من المكياج، وتخرج من منزلها متجاهلة وجبة الفطور لتلحق بالعمل.

في الطريق تُخرِج هاتفها لتتفقد صندوق رسائلها، لا شيء جديد؛ عتاب صديقتها المقربة، إعتذار من حبيبها السابق ومحاولة جديدة، وتوبيخ من رئيس تحرير الجريدة التي تعمل بها. كانت قد اعتادت على ذلك فخلافهم الأبدي –والتي تظن أنه لن ينتهي أبدًا– أنه يرى أن مكانها في قسم الموضة والأزياء، وأخبار عالم الفن والمشاهير وما حول ذلك الإطار، وهي دائمًا ما رأت أن للصحافة رسالةً ودورًا أكبر من ذلك؛ رسالة أكبر من الركض وراء أخبار المشاهير وآخر صيحات الموضة، رسالة تتناسب مع روحها التي تبحث دائمًا عن الإثارة والمغامرة.

على كُلٍ فهي مضطرة للعمل على أية حال حتى تتمكن من إعالة نفسها بعدما تركت بيت والديها واستقرت بمفردها في إحدى البنايات.

وصلت لمقر الجريدة، جلست على طاولتها وأخرجت من حقيبتها دفتر يومياتها؛ دونت تاريخ اليوم ثم كتبت “ليحدث شيءٌ واحدٌ جديدٌ اليوم..“ ثم أغلقتها مرة أخرى.

مضى اليوم روتينيًا للغاية بين اتصالات هاتفية مع بعض المشاهير ومدراء أعمالهم ومقابلات مع البعض الآخر والكثير الكثير من أكواب القهوة لتستطيع الصمود بعدد ساعات نومها القليلة حتى انقضت ساعات العمل. بدأت تجمع أشيائها للانصراف ثم رن هاتفها في تلك اللحظة، كانت المتصلة والدتها. حدقت نحو الهاتف لبعض الثواني ترددت قليلًا ثم رفضت المكالمة لتمر بعض الثواني القليلة الأخرى ليرن الهاتف مرة ثانية.

أمسكت هاتفها بغضب ظنًا منها أن والدتها تعاود الاتصال، ولكن المتصل هذه المرة كان شخصًا آخر، شخصًا سُجل على الهاتف باسم “م.س”.

أجابت على الهاتف بسرعة ليخبرها ذلك الشخص باقتضاب “لدي ما قد يلفت انتباهك” أغلقت المكالمة وظهر على وجهها ابتسامة خفيفة ثم حملت حقيبتها وخرجت.

علمت الصحفية من شخص يعمل بأحد البنوك أن البنك يقوم بعملية تبييض الأموال لبعض الشخصيات و أعجبت بما سمعت فقررت أن تفعل ما أرادت طوال عمرها و هو التحقيق في القضية وبدأت تراقب بعض العاملين بالبنك ومواعيد عملهم لتحاول أن تجد أي شيء غير مألوف ولكن لم تجد شيئًا وفي يوم وهي تجلس مع ابن خالها الطالب في كلية الهندسة علمت منه أنه يجلس ويتحدث مع أحد العاملين بالبنك على القهوة فقررت أن تجلس معهم، فقالت لابن خالها أنها تريد أن تقابل الشخص الذي يعمل بالبنك فقام بترتيب معاد وتقابلت الصحفية مع عم حسين في القهوة في تمام الساعة الثانية عشر وبدأت تسأله:

– عامل إيه يا عم حسين؟

فرد عليها أنه بأفضل حال حيث كان يعاني من الفشل الكلوي وكان يغسل كليته حتى استطاع توفير بعض المال ليقوم بعملية زرع كلى فسألته عن الموظفين بالبنك وهل إذا لاحظ أي غريب يحدث في البنك، ولكن رد عليها عم حسين ردًا حذرًا حيث قال وهو مبتسم ابتسامة خفيفة :

-لا مبشوفش حاجة غريبة احنا كلنا من أصغر حد للمدير نفسه بنعمل اللى نقدر عليه عشان نساعد الناس مش زي بقيت البنوك اللي عايزين ياخدوا فلوس الناس وخلاص.

شكرته على وقته وغادرت وهي في نفسها تساؤلات كثيرة لا تجد لها إجابة، ماذا يحدث خلف خزائن هذا البنك؟

5 thoughts on “جواب القهوة”

اترك تعليقاً