الجلسة الأخيرة

في مشهد ضبابي في ثنايا العقل الباطن ظهر رجل بابتسامته المثيرة للشفقة حاملاً مسدسًا في يديه وموجهًا إياه ناحية رأسه وقال: “أنا وصلت لنهايتي ودلوقتي هبقى واحد منهم بس هبقى القاتل والمقتول.” ابتسم وضغط على الزناد واخترقت الرصاصة رأسه. استيقظ الطبيب من نومه دون فزع أو خوف فقد اعتاد عقله رسم هذا المشهد كلما غفت عينيه، نهض من سريره وأخذ سيجارة من علبة السجائر ووقف في الشرفة يدخن بنهم كأن هذه السيجارة هى طعامه الوحيد، ارتدى ملابسه وتوجه إلى عيادته التي أغلقت أبوابها منذ ستة أشهر، دخل العمارة دون أن يلقى السلام على العم صابر البواب الذي نظر إليه في تعجب، خرج أحد السكان إلى الشارع؛ فقد كانت العمارة في حي الزمالك ثم قال: “صباح الخير يا عم صابر صحيح مين اللي داخل العمارة ده؟”  أجاب البواب: “يا عيني عليه دا الدكتور ياسين دكتور نفسي مشهور أوي دا نحف كتير أصل حصلت حادثة عنده في العيادة ومن ساعتها وهو ساب الطب وقفل العيادة وحاله تبدل خالص”. نظر هذا الساكن إلى ساعته وبدأ عليه التعجل ثم ألقى السلام ورحل. دخل الطبيب عيادته بعدما فتح الباب بصعوبة فقد صدأ الباب من جراء غلقه لمدة طويلة، نظر إلى غرفة المكتب التي يكسوها الغبار والجو الخانق، جلس الطبيب على الأريكة  يفكر في حلمه الذي يراوده دائمًا ويفشل في أن يتخلص منه، وكأن الرصاصة التي فلت منه تعود له مرات ومرات لتفتح جرح الذنب داخله، يشعل التلفاز لعله يجد ما يشغل باله ويبعده عن صخب عقله، فيشاهد فيلم ويندمج معه، فيأتي في منتصف الفيلم مشهد حمام سباحة ويسرح فيه ويتذكر أول جلساته مع الفتاة التي لولا ما حدث لأصبحت بطلة في الأولمبياد الآن.

فتاة في نهاية عقدها الثاني، ذات وجه شاحب شعرها أسود اللون خصلاته غير منظمة وكأنها لم تكن بصحة نفسية كافية لترتبه، به لمعة تجعله مميزًا  حتى وهو في شكل عشوائي، عيون بنية اللون بها لمعة بسيطة عندما تتعامد الشمس عليها تصبح كذهب يتلألأ، أنف متوسطة لا تأخذ حيز في وجها مثل وجودها في أي مكان ولكن تعطي لوجهها روح، فم صغير ولكنه يطفيء وجهها ويجعله في حالة من التعب، تدخل هذه الفتاة إلى غرفة الطبيب وبدأوا في الحديث والتعارف، كان هذا أول انطباع من الطبيب عن هذه الفتاة التي وجد في هدوئها ورقيها ما يجعله يشعر بطيبتها وبدؤوا جلستهم وكانت مشكلة الفتاة أنه لا يوجد مشكلة، حيث كان يري الجميع أنها تعيش حياة مرفهة، حياة عادلة لفتاة في سنها ولكنها لا تشعر بالراحة الكافية، هي لا تستطيع الوصول إلى حقيقة مشاعرها او إلى ما وراء مشاعرها ووراء ما يجعلها تشعر بهذا الثقل.

بدأت تحكي للطبيب عن طفولتها التي كانت مليئة بنجاحات بسيطة، كان يشجعها أهلها على هذه الإنجازات ولكن لم يكن لإيمانهم بقدراتها ولكن لعدم فراغ وقتهم المناسب للجلوس معها، فلم يكن لديهم من الوقت ما يكفي لكي يحتووا ما تشعر به أو تمر، كانت تشعر بأن هذه الإنجازات لا شيء، كانت تقلل من قدرتها ونظرتها الدونية لنفسها وكبرت على ذلك، وأخذت تحكي وهي صغيرة حين ذهبت مع أهلها إلى مكانهم المفضل لاقتناص بعضٍ من الراحة استغلالاً للفراغ الذي يملأ المكان وهدوئه وهروبًا من صخب المدينة، وفي ظل هذه المرات كانت تجلس على الشاطيء وكانت بعيدة عن أهلها، وجاء شخص غريب وأخذها عنوة لمكان آخر، تحرش بها، حاولت أن تبتعد عنه ولكنه هددها بأنه سيلقيها بالبحر ولن يجدها أحد، تحكي أنها صدقته لأن المكان كان هاديء وأنها كانت تخشى من المياه ولكن هي لم تستلم، قاومت حتى الفرار، عندما ذهبت لأهلها الذين كانوا يبحثون عنها وأخذت تحكي لهم، حاولوا أن يصلوا لهذا الشخص ولكنهم فشلوا لعدم قدرتها علي ربط ملامحه بشكل وافي، عادوا لمنزلهم ولكن لم تعد معها روحها الطفولية، رجعت وكأنها نسيت شيء هناك لا تستطيع أن تسترجعه، هي لا تعلم ما هو، ولكن كأن الروح البريئة مر عليها غبار أطفأها وما عادت مثل ما كانت.

تستكمل وتقول أنها في عادتها لا تحب أن تتكلم كثيرًا، لا تحب أن تسرد ما حدث وتطيل الكلام، فعندما عادوا للبيت حاول أهلها مساعدتها ولكنها كانت ناضجة كفاية وتعلم أنها مجرد محاولات لا طائل منها، كانت ومازالت لا تعلم ماذا كانت تحتاج في هذا الوقت، صمتت السباحة بعد هذا لبضع دقائق ثم قالت: “يمكنني لوم أهلي في هذا اليوم على تركهم لي كما يتركوني دائمًا، فإذا كنت على مقربة منهم هذا اليوم كان يمكن ألا يحدث هذا، عندما عدت للمنزل هذا اليوم فكرت في أن خوفي من المياه هو الذي دفعني لهذا الرعب، قررت أن أتعلم السباحة، يمكن أن يهدأ خوفي ولكن منذ أول يوم ذهبت فيه إلى حمام السباحة كنت أتذكر هذا اليوم ولكن كنت أحاول أن أشغل بالي، كنت أحمس نفسي دائمًا بأنني يمكن لو كنت في ذلك اليوم لا أخشى المياه، لكان من الممكن ألا أخشى تهديده، فكان ذلك الدافع الذي يجعلني دائما أذهب لهذا التمرين، وأصبح منفذي الوحيد لكي أصل فيه لسلامي النفسي ولكن وقت التمرين فقط أشعر فيه بوقت السلام، أرى كل ما يزعجني، وما يضايقني أمامي، أتخيله أمامي وأخذ في التجديف وكأنني أسارع لكي ألحقه ولكن لا ألحق بشيء.” تنهي حديثها بأن ما يتعبها ليس أهلها وإنما هي، آلامها، وذكرياتها، ومواقف طفولتها التي تجعلها باكية كل ليلة، كل محاولتها للتخلص من صوت هذا العقل الصغير تفشل، فقررت أن تذهب له، لعلها تصل لسلامها التي تفتقده.

يقطع جرس الباب غرق الطبيب ويعيده إلى الحاضر، نهض ليفتح الباب فقد كان عم صابر البواب. قال الطبيب: “إزيك يا عم صابر؟” أجاب البواب: “بخير يا دكتور أنت عامل ايه، مجتش بقالك كتير من ساعة اللي حصل.”  أجاب  الطبيب: “الحمدلله كنت عايز حاجة؟” رد صابر: “لا أصل كالون الباب صدى، أنت محتاج تغيره عشان الباب ممكن ميفتحش معاك المرة الجاية” فقال: “امسك فلوس أهي يا صابر واعمل اللي شايفه صح.”

أغلق الباب وعاد إلى أريكته، وحدث نفسه أنه لا يوجد مرة قادمة.. “لقد أفنيت حياتي في مهنة الطب حتى شارفت على الخمسين من عمري، وهبت حياتي لمساعدة الذين على  حافة الهاوية في العودة إلى بر الأمان من جديد، وكنت أسعد كلما تحسنت حالة وعادت إلى حياتها الطبيعية إلا أن أحد الحالات قد هدمت كل هذا في لحظة، تخيل أن يصل الإنسان إلى حقيقة نفسه ثم يسلب أحدهم روحه ببساطة، ما فائدة ما أفعل في ظل هذا المجتمع الذي يولد كائنات تفترس كائنات بغير وجه حق وكلهم ضحايا في النهاية، لا أستطيع التخلص من الذنب الذي يلاحقني، قررت احتواء ضحايا هذا المجتمع ولكن طلبت المستحيل وفشلت في احتضان أحدهم قبل أن يسقط، فقد كان على الحافة تمامًا ومع الأسف لم أدرك ذلك.” نظر الرجل إلى المكتب بحزن وغرق في جلساته ومرضاه وعاد إلي الجلسة المشئومة كما يقولون. قالت الممرضة: “حالة جديدة يا دكتور اتفضل” دخل بهيئته المرتبة، ووسامته الطاغية، وقامته الطويلة والمتناسقة، ولكن يبدو أن هذا هو العسل الذي دس فيه السم. قال الطبيب ضاحكًا: “أنت عارض أزياء ومحبط ومش لاقي فرصة ولا إيه؟” رد: “لا أنا قاتل واسمي سليم.” قال الطبيب: “نعم! حضرتك بتقول ايه؟” رد: “زي ما بقولك أنا قتلت ومن كتر الناس اللي قتلتهم بقيت أحلم بيهم كل ليلة خلاص مش قادر، عايز أرجع للطريق الصح بس الدنيا مش مدياني فرصة.”

قال الطبيب: “احكيلي إيه يخليك تقتل؟” بدأ هذا المجرم كما قال عن نفسه في سرد حياته المؤلمة والعودة إلى أول سبب دفعه إلى قتل أحدهم حيث رأى أباه وهو يهجر أمه تاركًا عائلته في مهب الرياح دون أن يحميهم أحد وفي وحل الفقر دون أن ينقذهم أحد، حكى أنه كان ينظر لكل شئ من بعيد نظر إلى مشهد هجر أمه من خلف الباب وشاهد بصمت الكثير من خلف الباب ولكن في يوم رأى أحد رجال الحارة يعتدي على أمه وهي تصرخ، تذكر مشاهد ضرب أبوه لأمه وهو في حالة سكر، ولكن في هذا الوقت خرج عن صمته وركض إلى المطبخ ومسك أحد السكاكين وطعن هذا الرجل في ظهره، سأله الطبيب: “إيه اللي خلاك تكمل قتل؟” فأجاب المجرم: “مش عارف أنا بقتل اللي أكابر البلد بيقولولي أقتله، بس بحس إني مش بقتل عشان الأوامر، بس بحس أن فيه ضغينة بيني وبينهم أو بيني وبين الدنيا أو أنا بدور في أرواحهم اللي بعدها على حاجة مش عارف هى إيه.” فقال الطبيب: “أنت اتعرضت لعنف وأنت طفل ودلوقتي بتمارس العنف ده.” أكمل الطبيب جلسته مع هذا المريض وكانت جلسته الأولى والأخيرة ولكنها كانت كفيلة لتدمير كل شىء.

أخذ الطبيب يرتب كتبه وأوراقه ووقعت عينيه على ملف الفتاة السباحة، ثم تذكر عندما دخلت عليه الفتاة وهي في غاية سعادتها لأنها كانت أول مره تحقق انتصارًا وتشعر به وتشعر أنها قامت بشيء يستحق بالفعل أن تسعد له، رغم أنها كانت تحقق إنجازات يراها البعض وأهلها أنها ثمينة ولكن كان هناك دائما عائق بين شعورها بالسعادة وبين ما تحققه، نعم كانت تشعر بالسعادة بالطبع ولكن لم تكن تصل لمرحلة تجعلها في حالة رضا عن ما كانت تفعله، كانت تشعر دائمًا بأنها مقصرة وتغافلت عن شيء كان يمكن أن يعليها، رغم عظمة ما تصل له، فكان في هذا اليوم اجتازت مسابقة مهمة لها فعادت إلى الطبيب لتخبره بذلك وكانت معها ميدالية صغيرة كجائزة مع الجائزة الكبرى، فأرادت أن تتركها له كتذكار عن ما حققته وأنه ساعدها لكي تشعر بما يرضي ضميرها ويرضي عقلها الذي يقلل من شأنها دائمًا، أخذت تحكي له وكأنها لم تنجح من قبل أو أنها لم تحقق انتصارًا يجعلها سعيدة، فكانت في حالة تشعر بها بالسلام النفسي التي كانت تبحث عنه منذ صغرها ولكن لم يكن هذا مصدر سعادتها الوحيد، وإنما سعادتها تكمن في نجاح حملتها التي طرحتها منذ فترة وهي “#إنقاذ_روح”، كانت صدرتها منذ فترة تنشر ما تتعرض له الفتيات من مواقف مسيئة لهم ولجسدهم ولنفسيتهم، تعطي لهم حرية التحدث عن ما يخبئونه خوفًا من كل شيء وخوفًا من اللاشيء، شعرت وكأنها تقدم لهم المساعدة، وكأنها تنقذ نفسها من الموقف الذي يطاردها طيلة حياتها، فكان يعتبر هو مصدر أساسي لسعادتها أكثر من المسابقة، فكانت هي تحتاج لذلك، كانت تحتاج ما يساعدها على تجاوز هذه الحادثة، وكأنها كانت تشعر مع كل قضية يتم حلها وكأنها عادت وانتقمت من ذلك الرجل الذي أخذ منها برائتها وثقتها في نفسها وسلامها النفسي، وكل الذي ظلت تعاني منه طيلة عمرها.

وفي الساعة الثانية عشرًا في منتصف الليل قد أنهي الطبيب جلساته ورحلت الممرضة ولكن كان في مكتبه يرتب بعض الأوراق، أحدهم طرق الباب ودخل، وجد الفتاة السباحة تلقي عليه السلام وتجلس حيث جاءت لتخبره أنها على وشك المشاركة في الأولمبياد وأثناء حديثهم سمعا صوت سقوط منضدة في غرفة استقبال الحالات ثم اندفع المجرم إلى الغرفة وهو يلهث كان أحدهم يركض وراءه، وسط دهشة الطبيب والسباحة. وقال: “دول خرجوا من أحلامي وبيجروا ورايا في كل حتة، مش أنت قلت إنك ممكن تعالجني؟ بس أنت عندك حق، حد يقدر يصحي ميت! أنا وصلت لنهاية الطريق وهخليهم ياخدوني، ساعات بشك في أنهم مش الناس اللي قتلتهم.. دول أشباح بتدور على الناس اللي روحها ماتت، تعرف أنا عرفت أنا ليه قتلت، كنت بدور في أرواح الناس على روحي اللي اتسلبت مني، بس ملقيتش اللي أنا عايزة، أنا زي أبويا، هو قتل روحي، وأنا كمان قتلت روحي مفيش فرق، عشان كده بقايا الروح ديه لازم تختفي.”

حاول الطبيب أن يهدئه، ولكنه استمر في إصدار كلمات غير مفهومة، رفع المسدس الذي كان يحمله في يأس، حاولت السباحة أن تستميله ليهدأ، ولكن زاد هياجه عندما قال إنه يرى الناس الذين قتلهم يدخلون المكتب. خرجت رصاصة من مسدسه واخترقت جسد السباحة وتناثرت الدماء على ملابسها وسقطت وهوى معها الطبيب من أثر صدمة ما يحدث. ضحك المجرم بهستيرية وقال: “بحب آخد أرواح الناس اللي حياتها وردي بس عمري ما لقيت في روحهم الروح اللي أنا عايزها، أنا وصلت لنهايتي ودلوقتي هبقى واحد منهم هبقى القاتل والمقتول.”

ثم ضغط على الزناد واخترقت الرصاصة رأسه ومات. وما بقى حيًا في تلك الغرفة هي ملامح صدمة الطبيب التي جعلته غير قادر على الحراك أو النطق بحرف إلى فترة كبيرة بعد تلك الليلة. 

اترك تعليقاً