إعادة إحياء الأنواع المنقرضة

فلتتخيل أنك في يوم من الأيام ذاهب لحديقة الحيوان، ولكن هذه المرة ليست أي حديقة حيوان، إنها حديقة للأنواع العائدة من الانقراض!

نعم كما قرأت، العائدة من الانقراض. لكن كيف ذلك؟ هذا ما سنعرفه…

عند التحدث في ذلك الأمر يستحضر عقل بعض القُرّاء الفيلم المشهور “الحديقة الجوراسية” للروائي مايكل كرايتون.

ويحكي هذا الفيلم عن حديقة كبيرة تضم مختلف الأنواع من الديناصورات بغاية ترفيه زوار الحديقة.

لكن هل بالفعل من الممكن إحياء الحيوانات المنقرضة في الواقع؟

الإجابة هي نعم، ولكن ليس كلها، فلسوء الحظ -أو لحسن الحظ- من المستحيل إعادة الديناصورات أو الأنواع التي مر على انقراضها أكثر من بضع عشرات الآلاف من السنين.

ولكن لماذا؟  

لإن الأنواع المنقرضة قبل ذلك لا يوجد بأجسادها أي خلايا حية أو على الأقل ما يكفي من الحمض النووي لتكوين جينوم لهذا النوع لعملية الإعادة.

في 30 يوليو 2003، قَلَب فريق من العلماء الإسبان والفرنسيين عقارب الساعة للوراء ليسافروا عبر التاريخ، فقد أعادوا الوجود لأحد الحيوانات المنقرضة.

على الرغم من أن هذا جعلهم يشهدون انقراضه من جديد.

كان هذا الحيوان نوعًا من الماعز البري يسمى “البوكاردو”، أو وعل البيرينيه.

وهو حيوان قد عاش لآلاف السنين في قمم سلسلة جبال البيرينيه التي تفصل بين فرنسا وإسبانيا.

ثم جاء عصر الأسلحة النارية حيث طارد الصيادون القطعان على مدار عدة قرون.

وفي سنة 1989، أجرى العلماء الأسبان دراسة مسحية أظهرت أنه لم يتبق من قطعان البوكاردو سوى 12 رأسًا.

وبعد ذلك بعشر سنوات لم يتبق سوى ماعز واحد وهي “سيليا”، وتم الإمساك بها ووضع توق متصل بجهاز راديو حول رقبتها وإطلاقها في الغابة.

وبعد ذلك بتسعة أشهر أصدر الراديو إشارات تُنبيء بنفوق سيليا وبذلك رسميًا انقراض حيوان البوكاردو كليًا.

محاولة إعادة سيليا للحياة

واحتفظ العلماء ببعض خلايا سيليا حية في المختبرات في سرقسطة ومدريد.

وخلال السنوات القليلة التي تلت ذلك، قام فريق من العلماء المُتخصصين في علم الأعضاء التناسلية بحقن أنوية من هذه الخلايا بداخل بويضات ماعز مفرغة من حمضها النووي، ثم زرعوا البويضات داخل أرحام أمهات بديلة.

وبعد إجراء 57 عملية زرع، لم تحبل سوى سبع.

وانتهى بست منهن بالإجهاض في حين أنثى واحدة (هجنت من وعل إسباني وعنزة) أتمت حملها بالنسيلة (Clone) التي أخذت من سيليا.

وتمت ولادتها قيصريًا، وعندما استخرج العالم فرنانديز أرياس المولودة لاحظ أنها تجد صعوبة في التنفس حيث كانت تدلي لسانها بشكل غريب.

وعلى الرغم من الجهود لمساعدتها على التنفس، نفقت النسيلة بعد عشر دقائق من ولادتها.

وبعد تشريحها، وجد العلماء فصًا ضخمًا في نفس صلابة الكبد قد نما في إحدى رئتيها، ولم يستطع الأطباء القيام بأي شيء.

وما البوكارو إلا عنصر في قائمة طويلة من الأنواع التي انقرضت على أيدي البشر وتضم القائمة الدودو، والأوك العظيم، والنمر التسماني، والدولفين الأبيض الصيني، والحمام الزاجل، ونقار الخشب الإمبراطوري.

وبوجود قائمة تضم أنواعًا أخرى مهددة بالانقراض فما هي إلا مسألة وقت إلى أن تنضم أنواع أخرى لقائمة الأنواع المنقرضة.

وأقيم اجتماع مغلق للعلماء بمقر الجمعية الجغرافية الوطنية بواشنطن، تناقش العلماء في أمر إمكانية إعادة إحياء الأنواع المنقرضة وإذا كان يَحسُن القيام بهذا.

وعرض كل من العلماء التطورات التي شهدتها مجال مناولة الخلايا الجذعية، واستعادة الحمض النووي لحيوانات قديمة، وتكوين الجينومات المفقودة.

وتزايد حماس العلماء وبرزت ملامح الإجماع على أن إحياء الأنواع المنقرضة لم يعد بعيد المنال.

الوصفة الإحيائية (الاستنساخ)

هناك سؤال يطرح نفسه الآن، كيف تتم عملية الإحياء هذه؟

سيكون مثالنا هنا هو الحمام الزاجل الأمريكي ذو الطوق الأحمر:

  • يتم إحضار جينوم لعينة من العينات المحفوظة لهذا النوع ومقارنتها بجينوم أقرب الأنواع إليه وهو الحمام الجبلي.
  • يتم تحديد وتوليف الطفرات المميزة للحمام الزاجل (طوق أحمر، وذنب طويل وسمات أخرى أساسية).
  • هنا تُستبدل الأجزاء في المرحلة السابقة بما يقابلها من أجزاء الحمض النووي للخلايا الجذعية للحمام الجبلي، وهذا يؤدي لتخليق خلايا جذعية للحمام الزاجل.
  • تحول الخلايا الجذعية إلى خلايا تناسلية (بويضات وحيوانات منوية) ثم تُدخل في بيض الحمام الجبلي.
  • سيفقس البيض حمامًا جبليًا يحمل الحيوانات المنوية والبويضات للحمام الزاجل، قم بعملية التزاوج بينهم.
  • ستنتج فراخ تشبه الحمام الزاجل، ولكن هل إذا كانت الفراخ تشبه الحمام الزاجل وتتجمع في أسراب مثله يمكن تسميتها حمامًا زاجلًا؟

 

آراء بين مؤيد ومعارض

فبوجود من يؤيد الفكرة هناك من يعارض أيضًا ويرى أنها تطاول على خالق الكون.

ويَسخر العالم أرتشر من الفكرة قائلًا “أعتقد أننا فعلنا ذلك بإبادتنا هذه الحيوانات”.

ويرى علماء مساندون للفكرة أنه توجد منافع ملموسة لعملية إعادة الإحياء، فيعتبر التنوع الأحيائي مفيدًا للأختراع.

فغالبية المستحضرات الصيدلانية تستخرج من العناصر الطبيعية الموجودة بالنباتات البرية التي تتعرض أيضًا لخطر الانقراض.

وعلى صعيد الحيوانات على سبيل المثال كانت سيبيريا قبل 12 ألف عام موطنًا اعتادت أن تعيش فيه حيوانات عاشبة كالماموث وغيرها.

ولم يكن الغطاء النباتي مكسوًا بنبات التندرا الذي تغلب عليه الطحالب، بل كان مكسوًا بالعشب.

وقد دافع سيرجي زيموف أحد علماء البيئة الروس ومدير مركز للبحث في تشيرسكي بجمهورية ساخا عن هذا الأمر لسنوات بكونه ليس صدفة.

فقد ساهمت العديد من الحيوانات العاشبة في المحافظة على الأراضي المعشوشبة حيث كانت تشق الأرض بحوافرها الثقيلة وتخصبها برَوَثِها.

وعندما انقرضت هذ الحيوانات نمت الطحالب وحولت المروج المليئة بالعشب إلى أراض تغمرها التندرا التي لا تقدم فائدة كبيرة للحيوانات الأخرى.

وحاول زيموف إعادة المنطقة كما كانت حيث أحضر الخيول وثيران المسك وثدييات أخرى ضخمة إلى منطقة سماها “حديقة العصر الجليدي الحديث”.

وسيكون سعيدًا لرؤية الماموث الصوفي وهو يرعى بكل حرية.

ويقول زيموف “سيستغرق هذا الأمر وقتًا طويلًا، ومن الأكيد أنه لن يعاين هذه الحيوانات سوى أحفادي.

فالفئران تتكاثر بشكل سريع، في حين تتكاثر حيوانات الماموث بشكل بطيء، لذا هَيِؤوا أنفسكم على الصبر والانتظار”.

وبتقدم الأساليب التقنية منذ محاولة إعادة إحياء سيليا وقبلها النعجة دولي (أول الثديييات المستنسخة)، أصبحت عملية الإحياء أسهل نسبيًا.

إعادة إحياء الماموث

وحد باحثون بمؤسسة “سوام بَيوتيك للأبحاث” بمدينة سيول جهودهم مع خبراء متخصصين في الماموث بالجامعة الفدرالية الشمالية الشرقية بمدينة باكوتسيك السيبيرية.

وانطلقت بعثتهم في صيف عام 2012 في رحلة عبر نهر يانا، وحفروا أنفاقًا داخل المنحدرات المتجمدة الممتدة على طول النهر.

وعند الحفر وجدوا داخل أحد الأنفاق قطعًا من أنسجة الماموث الخلوية بما في ذلك نخاع العظم، والشعر، والجلد، والشحم.

ويتم فحص هذا النسيج من قبل مؤسسة “سوام بيوتيك”.

ويقول إيسونج هوانج من مؤسسة “سوام بيوتيك” منظم بعثة نهر يانا “إن مبتغانا الأسمى الذي نحلم بالوصول إليه هو إيجاد خلية حية”.

فإذا وجد باحثوا “سوام بيوتيك” خلية من هذا القبيل يمكنهم حثها على إنتاج ملايين الخلايا التي يمكن إعادة برمجتها لتصبح أجنّة ثم تزرع داخل أرحام الفيلة التي تعتبر أقرب أقرباء الماموث.

شكوك وصعوبات

تساور العلماء شكوك بشأن قدرة أي خلية حية على مقاومة التجمد وسط التندرا.

لكن هوانغ وزملاءه وضعوا خطة بديلة تتضمن استخلاص نواة سليمة من إحدى خلايا الماموث على الرغم من أنه يستبعد وجود نواة في حالة أحسن من الخلية.

ومن منظور آخر فإن عملية استنساخ ماموث من نواة أصعب تقنيًا حيث سيحتاجون إلى نقل النواة إلى بويضة أنثى الفيل التي أفرغت من نواتها الأصلية.

وسيتطلب هذا الأمر استئصال بويضات أنثى الفيل (وهي عملية لم يسبق لأحد أن قام بها).

فإذا كان الحمض النووي الموجود داخل النواة في حالة جيدة تسمح له بالتحكم في البويضة، فمن الممكن أن يبدأ في الانقسام والتحول إلى جنين ماموث.

وإذا استطاع العلماء تخطي هذه العقبة، فإن مهمة أكثر صعوبة تنتظرهم، وهي زرع الجنين داخل رحم أنثى الفيل.

ثم يتعين عليهم التسلح بالكثير من الصبر، كما ينبه زيموف.

وإذا سارت الأمور بشكل سليم، يتعين عليهم الانتظار لمدة تقارب السنتين ليتبينوا إن كانت هذه الأنثى ستلد ماموثًا سليمًا.

ويقول هوانج “أنى لنا ان نعرف أن أمرًا ما مستحيل إذا لم نحاول إنجازه؟”.

آراء وأسئلة جدلية

رأي للعالم جون فينز، عالم الأحياء المتخصص في علم التطور في جامعة ستوني بروك في نيويورك.

فيقول العالم “من الواضح أن ثمة ضرورة ملحة لإنقاذ الأنواع والمواطن الطبيعية المهددة.

وفي رأيي، ليس ثمة ما يستدعي إحياء الأنواع المنقرضة.

فلماذا نستثمر ملايين الدولارات في إحياء حفنة من الأنواع المنقرضة في حين أنه يوجد ملايين الحيوانات التي يتعين علينا استكشافها ووصفها وحمايتها؟”.

ورد المناصرون عليه

فيرون تقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية التي طُورت من أجل إحياء هذه الأنواع يمكنها المساعدة في الحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض ولا سيما الأنواع التي لا تتكاثر بسهولة خارج بيئتها.

وبالرغم من أنه من الممكن أن تكون التكنولوجيا الحيوية مكلفة عندما تُطور لأول مرة، فغالبًا ما تنخفض تكلفتها بشكل سريع.

ويقول جورج تشيرش “ربما كان البعض يعتقد بأن اللقاحات المضادة لشلل الأطفال كانت تلاهيًا عن اختراع جهاز التهوية بالضغط السالب.

فمن الصعب أن يميز المرء بشكل مسبق بين ما يعتبر تلاهيًا وما يعتبر خلاصًا”.

رأي غلين ألبرخت، مدير معهد الاستدامة الاجتماعية بجامعة مردوخ في استراليا

“في غياب بيئة يمكن أن تعاد إليها الأنواع المنقرضة بعد إحيائها، فلا طائل من الجهود إذ لن تكون سوى مضيعة وهدرًا للأموال”.

وهذا من الآراء التي يضعها مناصروا إعادة الإحياء بالحسبان فيرون ضرورة إيجاد الحلول قبل البدء في أي مشروع موسع.

 

 

– كيف لنا أن نصنف عملية بأنها إحياء فعلي لنوع منقرض؟
– ألن تكون هذه العملية تؤدي لإدخال جسم معدل وراثيًا للطبيعة؟
– هل يمكن أن يكون هذا النوع موطنًا لمرض قد يسبب انقراض نوع آخر؟
هناك الكثير من التساؤلات والآراء التي طرحت نقاشات كثيرة.
وأنت عزيزي القاريء بعد مطالعتك لهذه المقالة، ماذا ترى؟
وفي صف من أنت؟
من يدعمون إعادة إحياء الأنواع المنقرضة أم من يعارضونه؟

 

المصدر:

مجلة ناشيونال جيوجرافيك (عدد أبريل 2013 بعنوان “انبعاث بعد انقراض”)

اترك تعليقاً