أورنمو

بعد حلول الساعة الثانية عشرة ليلًا ، ليلة حالكة الظلام اختفى من سمائها القمر، ومن أحد الملاهي الليلية خرج شاب مترنحًا برفقة أصدقائه ، دوت ضحكاتهم في أرجاء الشارع الهادئ . أخذ الشاب يودع رفاقه وهو يتعثر ويكادُ يقع لولا التفاف ذراع أحد أصدقائه حوله. 

– إيه يا مازن ؟! .. شكلك تقلت في الشُرب أوي ومش هتعرف تسوق.

قالها صديقه الذي أنقذه من التعثر بينما يضحك ساخرا. أخذ  “مازن” يجيبه ضاحكًا بدوره :

– مش هعرف أسوق إيه يابني، هي أول مرة نشرب ؟

سأله أحد أصدقائه بجدية شبه مصطنعة :

– متأكد ؟ الكلام ده مفيهوش هزار.

– أنا كويس يا جماعة، كل واحد على عربيته بقى .

ذهب مترنحًا نحو سيارته الفارهة والابتسامة الساخرة تعلو وجهه اليافع الممحو من أية علامات تدل على الهم أو القلق . وبمجرد بدء السيارة بالتحرك يُنار ضوء سيارة أخرى مركونة بالخلف بمكان غير ملحوظ لتبدأ التحرك من خلفه. قاد “مازن” سيارته وأخذ يشق طريقه وسط الشوارع التي تكاد تكون خالية من الحياة . بعد عشرة دقائق من القيادة، لاحظ “مازن” وجود سيارة تلازمه التحرك من خلفه ، ولكنه لم يعيرها اهتمام أو بمعنى أدق لم يكلف نفسه عناء التفكير وأخذ فقط يواصل القيادة راغبًا في الوصول إلى سريره بأسرع وقت ممكن . 

استمرت السيارة بتتبعه و معها أستمر قلق “مازن” يزداد تدريجيًا. انعطف يمينًا فانعطفت السيارة المجهولة يمينًا أيضًا، أرتفع صوت ضربات قلبه في صدره وقرر القيام ببعض الانعطافات محاولًا الفرار وعند الانعطاف الأخير خرج إلى طريقًا جبليا خاليًا . نظر “مازن” في المرآة الخلفية ولم يرى السيارة المجهولة  فتنفس الصعداء وهدأت دقات قلبه المتسارعة قليلًا ثم أخذ يفتح نظام تحديد المواقع في محاولة للعودة إلى الطريق الرئيسي . نظر “مازن” أمامه مجددًا فوجد ضوء عالي يخرج من كشافات سيارة اعترضت سيارته من الجهة الأمامية ، شعر وكأن الضوء سوف يُعميه فوضع ذراعه أمام عينيه لحمايتهما ولم يستطع الرؤية لوهلة، فتح الباب الأمامي من السيارة المجهولة وخرج منها ظلًا طويلًا لم يستطع “مازن” تحديد ملامحه. أقترب الظل أكثر ولم يستطع “مازن” رؤية عجلة القيادة أو أي شيء أمامه من شدة الضوء الذي يصيب عينيه . وصل الظل إلى مقدمة سيارة “مازن” مباشرة وحجب القليل من ضوء سيارته المجهولة فاستطاع “مازن” الرؤية بعض الشيء و أخذ يضغط على بوق السيارة بقوة محاولًا إبعاد الغريب ذو الظل من أمامه ولكن دون حراك ظل الغريب واقفًا مكانه . فتح “مازن” النافذة التي بجانبه قليلًا وصرخ مهددًا:

– لو مبعدتش من قدامي دلوقتي هدوسك !

قالها ثم عاد و أغلق النافذة مجددًا بسرعة .

بدأ الظل بالتحرك ولكن بدلًا من الذهاب في الاتجاه المعاكس انصياعًا لتهديد “مازن” ، تحرك ناحية باب سيارة “مازن”، وبعد لحظة صمت أستعد فيها “مازن” للرجوع إلى الخلف بسيارته وقف المجهول عند الباب و أخذ يضرب زجاج نافذة السيارة ضربة قوية خلعت قلب “مازن” من مكانه وقبل أن يقوم بأي ردة فعل ضرب المجهول النافذة ضربة أخرى فيتغلب الخوف على “مازن” وشعر لأول مرة منذ ساعات بالصحوة وكأنه لم يدخل جوفه رشفة كحول فينتفض بجسمه ناحية باب المقعد الذي بجانبه وترجل منها هرعًا إلى الطريق دون النظر خلفه. ركض “مازن” مسرعًا تجاه الجبال التي بجانب الطريق وهو يشعر بوجود أحد يلاحقه فأخذ يركض في طرق مختلفة ليضله حتى وجد صخرة كبيرة أختبأ خلفها ملتقطًا أحد الصخور الصغيرة الحادة في يده، محاولا السيطرة على صوت أنفاسه العالية وحركة يده المرتعشة، شعر بيد تمسك رسغه فحرك يده الاخرى الممسكة بالصخرة الصغيرة تجاه الملاحق الذي يمسك رسغه بشكل عشوائي وأصابه في الجانب الأيمن من رقبته سقطت الصخرة الصغيرة على الأرض محملة بالدماء فأفلت الغريب يد “مازن” ليفر الأخير مجددًا دون النظر خلفه.  حاول “مازن” الركض مسرعًا ولكنه مازال لم يلتقط أنفاسه بالشكل الكافي فلحقه المجهول بسهولة ثم ركله بقدمه فأعاق أمل الهروب بعد أن أسقطه أرضًا. بدأ “مازن” بالزحف ولكن سرعان ما ركله الغريب مجددًا فتوقف عن الحركة وتملكه اليأس .حاول استجماع قواه ليدير جسده ويرى وجه مطارده وبمجرد أن فعل لم ينطق سوى كلمة قالها بأعين متسعة قبل أن يصبح كل شيء حوله مظلمًا. 

– أنت..؟!

أستيقظ “مازن” وأخذ يفتح عيناه ببطء، كان يشعر بالألم في كل أنش من جسده وخاصة بيده اليمنى الذي عندما التفت للنظر إليها رآها مهشمة ذات منظر مرعب وموشوم عليها شيء لم يراه بسبب الدماء التي ملأتها ،لم يشعر بأطرافه ولم يستطيع تحريك جسده سوى رأسه. حاول أن ينظر حوله ليعرف أين هو فوجد نفسه في منتصف طريق وبمجرد أن فتح عيناه، ظهر ضوء ساطع قوي مشابه لضوء السيارة التي كانت تلاحقه . ألتفت برأسه لينظر إلى مصدر الضوء، وأخر ما رأته عيناه هي إطارات سيارة تتقدم نحوه بأقصى سرعتها ليقطع  “مازن” هدوء الليل الساكن بصرخة مدوية. 

________________________

قبل الحادثة بعشرة أيام.

في المحكمة ، في الصفوف الأولى تجلس أم الضحية عيناها تتجول في المكان بحثاً عن ابنتها ، رغم أنها مؤمنة بقضاء الله ، ولكنها مازالت تشعر بأن ابنتها لم تمت ، ربما لأنها لم تتوقع أبداً أن فتاة مثل “شهد” في عامها العشرين كتبت جميع  أحلامها في ورقة والآن الأم تمسك الورقة، تبخرت أحلامها لمجرد أن شخص قرر أن يعتدي عليها ثم يقتلها، في تلك الثواني القليلة تذكرت الأم كلام شهد بأنها ستتخرج العام القادم من الجامعة وستكون محامية تدافع عن الفتيات ضحايا المجتمع الفاسد  ، من كان يعلم بأنها الآن من تحتاج أن يدافع عنها أحد.

ليقاطع أفكارها المحامي قائلاً:

متقلقيش يا أم شهد حقها هيرجع إن شاء الله ، أنا معايا شاهد زميل شهد في الجامعة ، دليل قوي متقلقيش حق شهد هيرجع وهترتاح فى تربتها.

كان يقول تلك الكلمات بثبات ولكن بداخله يرتجف ، لأنه يعلم ذلك القاضي لن يحكم بالعدل. لتلتقط الأم أنفاسها وتردد كلمة واحدة “يا رب” .وبعد ثوان ، دخل القاضي والمحلفين .

بقيت الأم طوال الجلسة تنظر إلى قاتل ابنتها الوحيدة تجد بأنه واقف غير مبالي بل يبتسم  بقيت تنظر إلى القاضي نظرات مترجية علي أمل أن اليوم يبرد قلبها علي فقدان ابنتها ولكنها وجدت أن نظرات القاضي باردة كأنه يتحاشى النظر في أعينها ، في تلك اللحظة علمت الأم أن قصة ابنتها ستدفن مثل جميع قصص الضحايا وسيكون القانون بجانب وحشٍ لا أحد يعلم من سيكون ضحيته التالية.

ليتحدث محامي المدعية :

– سيدي القاضي وسادة المستشارين  تعرضت فتاه في عمر العشرين لاغتصاب ولم يكتفي المجرم بذلك فقط عندما نهضت الفتاة وحاولت أن تنجو بحياتها من أجل والدتها من أجل أحلامها ، قتلها بوحشية حيث أن المجرم ظل يلاحقها بسيارته و قام بدعسها عدة مرات حتي لفظت أنفاسها الأخيرة، لا أعلم كم الرعب الذى شعرت به “شهد” في تلك اللحظة ولكني ألتمس العدالة من سيادتكم.

تساءل القاضي قائلاً :

– معاك الأدلة اللي تثبت أن “مازن” هو القاتل؟

فأجابه المحامي قائلا :

– نعم سيدي القاضي.

لينادي علي شاهد ، ويقف أمام القاضي ليعرف الشاهد عن نفسه قائلًا:

– عادل ، أقسم بالله بأنني سأقول الحق  …… كنا في حفلة ومازن كان عاوز يتعرف علي شهد ، بس شهد رفضت أنها تتعرف عليه ،فضل طول الحفلة يمشي وراها ويضايقها بالكلام ساعتها انا اتدخلت ومازن اتعصب وفضل يقول كلام ويهددني أنه مش هيسبني وأنه هيستني شهد بعد الحفلة بس كلنا مهتمناش بكلامه عشان حسينا أنه سكران بس شهد فضلت طول اليوم خايفة وفضلت توصيني علي مامتها.

تساءل القاضي قائلا :

– أنت شوفت الحادثة بعينك يا عادل ؟

– لا ، بس مازن الوحيد اللي نيته كانت وحشه تجاه شهد .

هكذا أجابه “عادل” ليقاطعه محامي “مازن” قائلا :

– سيدى القاضي الحفلة كان فيها أكتر من ٤٠٠ شخص  مش مازن بس يعنى وايه اللي يمنع أن يكون الشاهد هو اللي قتلها باين من صوته وكلامه أنه كان بيحبها جايز رفضته وحب ينتقم منها ، سيدى القاضي القضية خلصانه محامى بيقول تكهنات والضحية هو موكلي مازن ….الحفلة كان فيها ناس سكرانه كتير ايه اللي يمنع أن عادل كان بيشرب هو كمان وعمل الجريمة دي  من غير وعى ؟! ، أنا عارف أن شهد ضحية بس حرام نظلم شاب  زي مازن مفيش أي أدلة تثبت إدانته.

تساءل القاضي قائلا :

– محامى الإدعاء عنده حاجه يقولها ؟

لينظر المحامي إلى الأم ويخبرها أنه اسف ، لتبكي الأم وتنظر إلى قاتل ابنتها جيداً وهو يبتسم ويشكر القاضي، شعرت بأن قلبها يتمزق تأمل فقط أن يكون ذلك كابوساً ، وتدخل شهد  قاعة المحكمة وتأخد بيدها وتذهب بها بعيداً عن كل ذلك. بعد ثوان تحدث القاضي قائلاً:

– بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة حكمت المحكمة حضوريًا ببراءة المتهم مازن حمدان من تهمة الاعتداء   وقتل شهد محمد لعدم كفاية الأدلة ،رفعت الجلسة .

تعالت الأصوات في تلك اللحظة أصوات صراخ وبكاء أصدقاء شهد ؛ كانت الأم تبكي بشدة غير قادرة علي الوقوف ترى قاتل ابنتها أمامها يغادر حر طليق وابنتها الآن دفنت ودفن معها أحلامها  ، أغمضت عيناها  وهي تردد ” يا حبيبتي يا بنتي ، حقك عليا يابنتى ” ولكن في تلك اللحظة شعرت بيداً تلمسها هي تعرف تلك اللمسة جيداً ، أخذت تفتح أعينها ببطء  لتجد ابنتها تبتسم وتخبرها “متخافيش يا ماما حقي هيرجع “…..

________________________

– وبعد أن عرضنا لكم أجزاء من محاكمة المتهم “مازن حمدان” والذى بعد عشرة أيام من تبرئته من التهم المنسوبة إليه أصبح ضحية مقتولاً بوحشية ، وبعد أن أوفتنا الشرطة بمستجدات القضية والتي تم فيها إثبات أن القتل تم من خلال دعس جسد الضحية بسيارة مجهولة .

التفتت مقدمة البرنامج ناظرة إلى كاميرا أخرى من كاميرات التصوير المباشر الخاصة بمحطة البث بينما تشير بيمينها إلى شاشة العرض من خلفها والتي عرض عليها مجموعة من الصور قائلة :

– بعد التحقيق وتشريح الجثة أشارت كل أصابع الاتهام إلى ذات القاتل الذى قتل هؤلاء الضحايا العشر . عشرة ضحايا قتلوا بوحشية منهم من وجدوا رأسه مفصولة عن جسده ، وآخر وُجد مقتولاً بجرعة زائدة من المخدرات والتي أعطاها القاتل  للضحية عن عمد لقتله ،وآخر وجدت أحشائه خارج بطنه بعد أن كان سابقاً مُتهمًا بقضية قتل امرأة حامل في الشهر الثامن عقب طعنها في بطنها ومحاولة تشويه جنينها بطعنات متكررة بسكين وتمت تبرئته من هذه التهمة لعدم وجود سلاح الجريمة . كل هؤلاء الضحايا كانوا متهمين بجرائم مختلفة وقد برأهم منها القانون . أظهرت نتائج التحقيق أن حالات وفاة جميع الضحايا كانت مشابهة للتهم المنسوبة إليهم سابقاً وأن الضحايا العشر قد وجدوا مهشمين إحدى اليدين اليمنى أو اليسرى والتي أثبتت التحقيقات فيما بعد أنه قد تم تهشيمها بمطرقة خشبية صلبة كما أثبتت التحقيقات أن اختيار اليد المهشمة لم يكن عشوائي وأنه اُختير وفقا لليد التي كانت الضحية تستخدمها في الكتابة ، فبعض الضحايا أعسرو اليد وجدت يدهم اليسرى مهشمة ولم يكن تهشيم يد الضحية بمطرقة هو العلامة الوحيدة التي تركها القاتل المتسلسل خلفه بل طبع على يد الضحايا وشمًا بصورة لميزان العدل . والآن أصبحنا نواجه قاتل متسلسل حقيقي يراه البعض وحشًا بلا رحمة  والبعض الآخر يراه بطلًا قومياً يحقق العدالة وبين مؤيد ومعارض كان السؤال هنا هل هذا القاتل يسخر بوشمه من عدالة القانون أم يسخط عليها ؟

أطفأ القاضي شاشة هاتفه قبل ختام المذيعة لحلقة البرنامج ليترجل من سيارته التي صفها السائق أمام باب المحكمة ، والتي دلف إليها حاملاً حقيبته سائراً بخطوات واثقة.

محكمة …

دلف القاضي إلى المحكمة برفقة إثنين من المحلفين وأخذ كلاهما يجلسون على مقاعدهم اليمنى واليسرى بينما توسطهم القاضي ..التفت المحلف على الجهة اليمنى ناظرًا إلى القاضي فرأى أثرا لخياطة جرح عميق موجود على رقبته . لاحظ القاضي نظرات المحلف إليه فالتفت ناظرًا إليه بعيون حادة متسائلة ، همهم المُحلف  ثم تساءل قائلاً بينما يشير إلى رقبته في ذات الجهة التي رأى فيها جرح القاضي :

– حضرتك كويس ؟

عدل القاضي من ياقة قميصه خافيا أثر الجرح بينما يبتسم مجيبًا :

– حادثة بسيطة .

التفت القاضي ناظرًا أمامه ثم أخذ يوجه نظره نحو المتهم خلف الزنزانة بينما يبتسم وهو ينظر إلى محاميه الذي يجلس بثقة متيقنًا بقدرته على تبرئة موكله ، أبتسم القاضي ابتسامه جانبيه لم يلاحظها أحد ثم ضرب بالمطرقة الخشبية من أمامه بقوة كإعلان لبدء المحاكمة…

11 thoughts on “أورنمو”

  1. فى العادى مبحبش القراءة وبمل بسرعة جدا بس وانا بقرأ بجد محستش بذرة ملل وكنت متشوقة جدا حقيقى انا مبسوطة جدا بالموهبة اللى كتبت الكلام دا ماشاء الله❤️

  2. بالنسبة لشخص بيكره القراءة لما حاجة تشده وتجبره يقرأها للآخر ده معناه إنها جميلة جدا ❤️👏

  3. الله بجد القصة كانت شيقة من البداية للنهاية، واول مرة اقرأ قصة يكون القاتل فيها الشخص ده، متخيلتش الplot twist دي ابدا مع ان اول ما عرفت حسيت ان الإجابة كانت واضحة زي الشمس بس اتفاجئت جدا

    حبيت اسلوب الكتابة والسرد، واللغة الفصحى المفهومة

اترك تعليقاً